
حياتها لم تعد كنبضٍ تلتقي فيه الشرايين، ولم تبدأ كبداية الجمال المفعم تُنعش أملًا جديدًا، بل بدأت كذكرى مؤلمة تفوح منها رائحة نتنة من الماضي السحيق.
هنا لا نتأقلم مع أزهار الحدائق المَروِيّة بماء النوافير، بل نحكي عن زهرة خائرة مسترخية كعينٍ باتت ليالٍ غاسقةً.
خانتها الأيام كما تخون الأحلام صاحبها. رحل من كان يبكّر في سقياها، ترك لها مسقاة التي يروي بها فصارت كذكرى من زمن غابر؛ أسقطت أوراقها وبتلاتها الحمراء التي كانت يومًا ما مفعمةً بالجمال.
استأصلت جذورها من الثرى، سكن غبار السنين أوراقها المتعبة التي كانت تنتظر الإعصار ليسقطها.
تسللت خيوط الأشعة الشفافة من بين الأشجار فرقصت في أغصانها، لكنها لم تُعرها انتباهها، كأنها عَلِمت أنها ليست لها، كأنها أدركت أن أيامها لا تدوم طويلًا.
لم تستطع أن تصنع العبير كالأزهار التي نبتت في بيئات منعشة بالحياة، لأنها مصفدة بموتٍ بطيءٍ يأكلها من جذورها.
كل الأشياء كانت حزينة معها: المسقاة الحديدية التي تُروى بها، أوراقها اليابسة، أغصان الشجر التي تمتد نحوها، حتى الريح عجز عن أن يذرو أوراقها.
صارت لها الحياة أقل رحمة، ليست كما حسبتْ وهي صغيرة.
لم تضع عنوانًا مناسبًا لحياتها، كأنها أدركت أنّ رحلتها هذه لا توصلها إلى نهاية جميلة، بل تنتهي بها في المنتصف، في وقتٍ هيأت نفسها فيه لتبدأ بداية جديدة.
العربي اليوم هي جريدة رائعة جدًا، تحمل في طياتها حكايات عجزت الألْسِنة أن تحكيها.