كتاب وشعراء

في ظلال السيرة: نبضٌ متجدد…بقلم د. عاطف حماد

🫧الحلقة الثانية
“الهجرة.. حين يصنع اليقين طريقًا في قلب الخطر”

🌱موقف من السيرة: حين اشتد الأذى على النبي ﷺ وأصحابه في مكة، لم يعد البقاء ممكنًا دون أن تُطفأ شعلة الدعوة. تكالبت قريش، واشتدت المؤامرات، حتى اجتمعوا على قرارٍ خطير: اغتيال النبي ﷺ بدمٍ تتفرق مسؤوليته بين القبائل.
لكن في اللحظة التي ظنّ فيها أهل الأرض أن النهاية تقترب، جاء التدبير من السماء: الإذن بالهجرة.
لم تكن الهجرة مجرد انتقالٍ جغرافي، بل كانت تحولًا مصيريًا في مسار الدعوة كلها.
خرج النبي ﷺ في هدوء، تاركًا خلفه وطنه الذي أحب، وذكرياته، وأرض نشأته… وخرج معه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، في رحلةٍ تحفّها المخاطر من كل جانب.
اختارا طريقًا غير مألوف، وسلكا أساليب دقيقة في التخفي، حتى وصلا إلى غار ثور، حيث مكثا أيامًا. وفي تلك الأثناء، كانت قريش تطاردهم بكل ما تملك، حتى وصلوا إلى باب الغار.
لحظةٌ حبست الأنفاس… لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآهما.
هنا بلغ الخوف ذروته عند أبي بكر رضي الله عنه، ليس على نفسه، بل على رسول الله ﷺ…
لكن النبي ﷺ، بثباتٍ عجيب، قال كلمته التي تجاوزت حدود اللحظة:
“ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟”
🌱في ظلال القرآن: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40]
إنها ليست مجرد كلمات مواساة، بل إعلانٌ عن حقيقة كبرى:- أن معية الله إذا حضرت، سقطت كل معايير القوة والضعف.
لم يقل النبي ﷺ: نحن في مأمن لأننا اختبأنا جيدًا، بل أعاد ربط القلب مباشرة بالله:
“إن الله معنا”…
فجاءت السكينة جوابًا إلهيًا يملأ الفراغ الذي يتركه الخوف في القلوب.
🌱ومضات تدبر: اليقين لا يُولد في لحظة الخطر، بل يُبنى قبلها، ثم يظهر فيها.
الأخذ بالأسباب (التخطيط، التمويه، اختيار الطريق) لم يمنع تعليق القلب بالله، بل أكّده.
السكينة عطاءٌ رباني، لا تُشترى، بل تُمنح لمن صدق في توكله.
أعظم ما في الموقف: توازن دقيق بين العمل بالأسباب والثقة المطلقة بالمسبب.
🌱أثر الموقف: تحول الغار من مكان ضيق إلى رمزٍ واسع في معانيه؛ رمز للثقة، ولليقين، وللصحبة الصادقة.
خرج النبي ﷺ من هذه المحنة ليس فقط سالمًا، بل متجهًا نحو بناء مرحلة جديدة من تاريخ الإسلام.
كانت الهجرة بداية قيام الدولة، وانتقال الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الخوف إلى الأمان.
وأصبح هذا الموقف درسًا خالدًا: أن الطريق إلى النصر قد يبدأ من لحظة مطاردة.
إسقاط على واقعنا:
نمرّ اليوم بلحظات تشبه “الغار”:
حين تضيق الخيارات، وتشتد الضغوط، ونشعر أن الخطر قريب جدًا…
نحاول أحيانًا أن نحل كل شيء بعقولنا فقط، فنزداد قلقًا، بينما السكينة الحقيقية تبدأ من إعادة ترتيب العلاقة مع الله.
حين تقول بصدق: “إن الله معنا”
فأنت لا تنفي وجود المشكلة، بل تعيد تعريفها:
لم تعد أزمة بلا مخرج، بل اختبار تحت نظر الله.
في عملك، في أسرتك، في قراراتك المصيرية…
قد لا ترى الطريق بوضوح، لكن يكفي أن تمشي بقلبٍ يثق أن الله لا يضيعك.
لمسة ختامية:
ليست المعجزة أن يختفي الخطر من حولك…
بل أن يهدأ قلبك رغم اقترابه.
وهنا يولد اليقين الحقيقي.
اليقين يصنع طريقًا حيث لا طريق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى