
الإنعزال الذي يهواه القلبُ. عندما تستمع لموسيقى عبر إذاعة الراديو، تلك اللحظات الممزوجة بشوشرة الترددات، ليصل لنا أرق الألحان، عبر تلك موجات المتشابكة. أعلم بأننا في عصر مات فيه الهدوء، السكينة والحدود الشخصية.
والآن أنا في أوج نشوتي في الأسترخاء، جالسًا على الكرسي رافعًا رأسي متأمل انعكاس ضوء الشمس عليه. رائحة نباتي من النافذة تتسلل لتضيف لهذه الاجواء اللمسة الأخيرة.
أنا احترم مساحتي الشخصية، فلها عليّ حق. لا أُعلِم شخص عنها، حتى لو كان هذا الشخص قريبًا مني؛ فهي أقرب منه إلي. هي أنانية في كتم الأسرار، فحتى والديّ لا يعلمان عني -حاليًا- كما كانا يفعلان. تحب أن تستمتع بوحدتها، ولكنّها دائمًا تلومني على هذه الوحدة.
أدركتُ بأن الشمس تغيب، حين أقتحم شُعاعها بؤبؤ عينيّ. نهضت وأغلقتُ النافذة كاملة. أمسكتُ بكوبي الذي أصبح الشاي به باردًا، ثم أغلقتُ أيضًا الكتاب الذي ملؤه الغبار في تلك الصفحة التي لم أكملها.
يوم مسالم لدرجة مثيرة للقلق، ابتسمتُ لكي أستغل كل فرصة الآن؛ لعلمي بالمستقبل المخيف الذي سيأتيني بعد أمسية راقية كهذه. لففتُ بقية الأشياء وذهبتُ لغرفتي.
اشغلتُ بأسطوانة الفيلم، فأنا أمقت البساطة المبالغة التي باتتْ تترصد في كل مكان. شاشتي القديمة تكلّفني الكثير، ولكن لا يهمني ذلك.
بدأت بمشاهدة الفيلم الذي كان فقط أحادي اللون، ففي ذلك الزمان، كانت الشاشات قليلة اللون، ولكن كان الأماكن والمشاعر متفجرة بالألوان، ولذلك عدسة الكاميرا لم تستطع إلتقاط كل ذلك الحنين، فصوّرة بأحادي اللون.
كم أريد أن أدخل للشاشة، وأعيش معهم.
هل في يومًا سأندم على أمنيتي هذه؟ قد يكون ذلك ممكنًا، ولكن حاليًا لا.
وجدتُ أسطوانة جديدة على الطاولة، أنا لم أضعها هناك -إذ لم تخنّي ذاكرتي- فأنا أتفحص أشيائي على الدوام. رفعتْه لأجد به ملصق صغير بطرفه، أخذت نظارتي بيدي التي ترتجف مع كبر السن.
“هدية ﻷفضل شخص”
يبدو بأن ابنتي صفاء من أهدتني إياه، سعيدًا به حقًا؛ فهي لم تعد تتصل بي بسبب ذلك الشخص. قلّبتُ بالأسطوانة بحذر أتفحصه، لا يوجد به عنوان، أو أي شيء آخر، حتى إنها لم تكتب اسمها عليه! هل لاتزال غاضبة مني؟
وضعته بمشغل الإسطوانات، وجعلته يبدأ بالعرض بينما أذهب وأحضر لي بعض المأكولات. ولكن حين أتيت وشاهدتُ الشاشة، رأيت بامرأة تراقبني عبره.
ظننته فقط فيلم رعب أو ما شابة، ولكن كنت أتحرك هنا وهناك ﻷرتب بعض الحاجيات. كانت عينيها تتبعاني حتى حينما أقف، وفجأة أهتز إنارة الغرفة بشكلٍ بسيط.
فأدركت حينها بأن
“ليس أنا من أشاهد الفيلم، بل هو من يشاهدني عبر شاشة التلفاز”