رؤي ومقالات

جمال محمد غيطاس يكتب :رئيس الوزراء ووزير الاتصالات: الاسم “لطوبة” والفعل “لأمشير”

ما ورد بالبيانين الصادرين أمس عن مجلس الوزراء ووزارة الاتصالات وهيئة تنمية صناعة المعلومات، حول افتتاح مركز الذكاء الاصطناعي بفرع شركة فاليو العالمية بالقرية الذكية، ينطبق عليه المثل الشعبي الخالد ” الاسم لطوبة والفعل لأمشير”… كيف؟ تمهل قليلا واقرأ لتتعرف على واقعة من وقائع البكاء الضاحك أو الضحك الباكي في مصر المحروسة هذه الأيام.
كما نعلم جميعا فإن شهر “طوبة” هو الذي يحمل “سمعة” البرد القارس، لكن في الحقيقة، لسعات البرد القاسية والمؤذية تأتي من رياح “أمشير” المتقلبة، وبالتالي فالمثل معناه أن الصيت والاسم ذهبا لطوبة، بينما التأثير الفعلي والقوة لأمشير.
وعمليا يُضرب هذا المثل للشخص الذي يمتلك “السمعة” أو “المنصب” أو “الشهرة” في صفة معينة، بينما هناك شخص يقوم بالعمل الحقيقي أو يمتلك القوة الفعلية والتأثير وراء هذه الصفة، ويظل مغمورا ولا يأتي على ذكره أحد.
هذا بالضبط ما لاحظته في بيان مجلس الوزراء ووزارة الاتصالات وهيئة صناعة، فقد تضمن البيانان جميع أنواع الأسماء والمناصب التي لها او ليس لها علاقة بالفعل الحقيقي على أرض الواقع، وخلا منها اسم المسئول المباشر عن الحفلة برمتها، مدير عام فاليو مصر الذي يدير ما يربو على 2000 عقل من أنصع وامهر عقول مصر على الإطلاق، وهم مهندسو فاليو من مختلف المستويات والأعمار والتخصصات.
هذه سقطة أخلاقية معيبة مذهلة مفاجئة لا يمكن تبريرها على الإطلاق، لم اشهد لها مثيلا طوال متابعتي لهذا القطاع منذ عام 1996 وحتي الآن، حينما لم يكن في الواجهة ولا في الصف الثاني ولا الصف الثالث السيد رئيس الوزراء الحالي، والسيد وزير الاتصالات الحالي والسيد رئيس هيئة ايتيدا الحالي، كانوا جميعا لا يزالوا في البداية او في الصفوف الخلفية أو خارج الصفوف أصلا.
كان هناك رجال أخلاقهم فوق خبراتهم، وادبهم فوق مناصبهم، على رأسهم احمد نظيف وزير الاتصالات ثم رئيس الوزراء، والراحل طارق كامل مساعد وزير الاتصالات ثم وزير الاتصالات، وغيرهم الكثيرون.
ما اتذكره ـ وليساعدني في ذلك اخي وصديقي العزيز الأستاذ حاتم حلمي ـــ أنه لم يحدث مطلقا ان صدر عن الوزارة او رئاسة الوزراء في عهدهما وعهد من جاء بعدهما، بيانا صحفيا يخص اعمال أي بي إم الا وكان في فقرته الثالثة على الأكثر جملة علي لسان مديرها في مصر مثل عمرو توفيق، ولم يحدث ان صدر بيان يخص اوراكل وليس به فقرة علي لسان مديرها المصري عاطف حلمي، ولم يصدر بيان عن مايكروسوفت حتي في وجود بيل جيتس نفسه بالقاهرة بدون ان يكون به على فرماوي مدير فرعها في مصر، أو صدر بيان عن منتور جرافيكس في وجود رئيسها بمصر لم ترد به فقرة علي لسان حازم الطحاوى مؤسس فرعها في مصر، وقس على ذلك، واكتب هذا الكلام والقاصي والداني الذي عاصر هذه الفترة يعلم جيدا ان اختلافي مع فريق د نظيف والمرحوم طارق كامل كان الشائع، واتفاقي معهم كان النادر.
قلت مرارا انني ارتبط عاطفيا ومنحاز كلية لتجربة فاليو مصر، فقد شهدت بدايتها الأولى المبكرة وهي جنين في بدء التكوين لم يتشكل بعد ولم يدر بخلد احد ساعتها انها ستحمل مستقبلا اسم فاليو، حينما كان العالم الفذ احمد طنطاوي يضع بذرتها الأولى، قبل انشاء القرية الذكية نفسها، وفي جلساتي المطولة معه في هذا الوقت المبكر، شهدت روح فاليو مصر وهي تتشكل وتتحدد ملامحها على يد هذا العالم القدير، وتمثلت هذه الروح ليس فقط في العلم والمعرفة الأصيلة الصافية المبدعة، وإنما قبل ذلك في الثقة بالنفس وبالإيمان والاعتزاز بالعقل الوطني وقدرته ليس فقط على الإبداع، ولكن علي اليقين بالنجاح والنصر وسط أعتي وأشد العقول العالمية ابداعا، روح وقودها الإيمان المطلق بالشباب المصري والعقل المصري الذي بإمكانه ممارسة اعلى درجات الاستقلال والندية في التفكير، أمام الأمريكيين والأوروبيين والهنود واليابانيين بل والصهاينة واليهود.
هذه هي الركيزة الذي وضعها العالم الجليل احمد طنطاوي وهو يخط اول خط في تجربته التي أصبحت فيما بعد فاليو مصر، ركيزة كانت ولا تزال الرحم الأساسي والوعاء الصلب للثقافة التي تعمل بها الشركة حتي اليوم، بعيدا عن ألاعيب البيروقراطية وخمر السلطة المالح، وصراعاتها الماسخة.
ما حدث في البيانين الصادرين أمس يمس مباشرة هذه الروح، ويلوث هذه الثقافة التي صنعت واحدة من أنقى وأصلب وأعمق تجارب تقنية المعلومات بمصر خلال العقود الثلاث الأخيرة، ويمثل افتئاتا من البيروقراطية وخمر السلطة على العقول التي أسست وشيدت وطورت وعمقت هذه التجربة في الماضي وتديرها في الحاضر.. لماذا؟
لأن حفظ مقام مدير عام فاليو مصر لا يخص شخص المدير، ولكنه تقدير لعقول حرة واعية مستقلة، لا علاقة لها بحسابات من في السلطة، ولكن علاقتها بهامة الوطن وقامته المرفوعة امام المئات والألوف من العقول الأخرى من شتي بقاع الأرض، يعايشونها وينافسونها ويناطحونها على مدار اليوم، ومن ثم يصبح السؤال:
لماذا تتم إزالة مديرهم الذي يمثلهم وينوب عنهم من الصورة على هذا النحو؟
قياما بواجبي كصحفي، تقصيت السبب الذي يمكن ان يكون وراء هذا الأمر، فتنوعت الإجابة ما بين النسيان والسقطة والهفوة، ثم الهمس بوجود غصة في حلق السيد الوزير، مردها أن اسم مدير عام الشركة طرح بين الأسماء التي جرى تداولها عند اختيار سيادته، وسواء كان الهمس حقيقية أو تهاويم، ففي المحصلة أقول بلا لف ولا دوران:
ـــ السيد رئيس الوزراء
ـــ السيد وزير الاتصالات
ـــ السيد رئيس هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات
بياناتكم تصمكم بالمعنى الوارد في المثل الشعبي الخالد: الاسم لطوبة والفعل لأمشير، وأنا هنا اصيغ المثل بالعبارة الاوضح والأدق:
لقد امتطيتم في بياناتكم موجة عالية، ليس لكم فيها فضل، ولم تكونوا صانعيها، ولستم مديريها، فمن وضع بذرتها معروف، ومن تعهدها بالرعاية معروف، ومن صعد بها للقمة ووسع رقعتها معروف، وأنتم لستم من بين هؤلاء المعروفين على الإطلاق، وما أنتم إلا طارئون عارضون زائلون عن هذه التجربة، ولا يصح أن تكونوا فوق أصحابها، حتى لو كانت مناصبكم اعلى ونفوذكم أعمق وسلطتكم اوسع.
أنا لا أعرف مدير عام فاليو الحالي، ولم اتشرف بلقائه، واتمني لو تشرفت به، ولا أدافع عنه شخصيا، لكن أدافع عن رأس التجربة أيا كان اسمه او شخصه، فهي تجربة جديرة بأن يحترمها ويقدرها ويعتز بها كل مصري يبحث عن الاستقلال وبناء الوطن بعقول وسواعد أبنائه، ندا لند مع أعتي العقول وأشدها مهارة في اعتي تخصصات التقنية.
خلاصة القول: صدور بيانات عن مجلس الوزراء والوزارة والهيئة تتعامل مع التجربة علي أنها بلا رأس هي سقطة معيبة، وحماقة تعيي من يداويها، وطغيان محض من “طوبة” على “أمشير”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى