كتاب وشعراء

مقاربة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله لنص (وهم السحاب)للشاعرة د. مرشدة جاويش

بنية التشظي الدلالي في (وهم السحاب) : مقاربة حداثية في تمثيل الذات والغياب

بنية التشظي الدلالي في (وهم السحاب) : مقاربة حداثية في تمثيل الذات والغياب

قصيدة (وهمُ السحاب ) تنتمي إلى كتابة حداثية كثيفة تراهن على تفكيك الذات عبر شبكة من الصور رمزية و الانزياحات الدلالية وتبنى على توتر دائم بين الحضور والغياب. تندرج مقاربتها ضمن منظور حداثي عبر ثلاثة محاور متداخلة: البنية الدلالية، الاقتصاد البلاغي، وأفق الرؤية الوجودية …

البنية الدلالية ، تفكك الذات وتمثيل الغياب.
النص يؤسس ذاتاً متشظية (تتشظى الرؤيا ، أنا طعنة عطشى) تعيش في فضاء سلبي تهيمن عليه مفردات الفراغ والانمحاء (الصمت، الغياب، الرماد، الضباب). هذه الذات لا تعرف بكيانها بل بآثار الفقد ما يجعلها بنية لغوية مفتوحة على التلاشي. (وهم السحاب) ليس مجرد صورة بل بنية مفهومية تشير إلى أفق مراوغ: شيء يرى ولا يمسك، وبالتالي يكثف تجربة الخداع الوجودي….

على مستوى البنية الأسلوبية أو بلاغياً يتأسس الاقتصاد البلاغي في النص على استعارة كلية تنتج شبكة من الانزياحات الحادة، حيث تتقاطع الحقول الدلالية (الجسد/اللغة/العنف) ضمن بنية مركبة تعيد توزيع المعنى خارج مرجعيته المباشرة. فالعلاقات بين الدوال لا تحيل إلى واقع خارجي بقدر ما تحيل إلى ذاتها داخل نسيج لغوي مغلق نسبياً. الأمر الذي يجعل الدلالة نتاجاً للتفاعل الداخلي بين العلامات لا انعكاساً لمرجع ثابت. في هذا الإطار يستأنس بقول رولان بارت: “النص نسيج من اقتباسات” بما يعضد قراءة القصيدة بوصفها فضاءً تتجاور فيه أصوات وصور واستعارات متداخلة، تنتج تعددية دلالية و تقوض وهم المعنى الأحادي المستقر …

على مستوى الرؤية التأويلية ،بوصفها جدلاً بين الجاني والضحية وانكسار المعنى.
يبني النص علاقة إشكالية بين (الأنا) و(هو) (الفاعل الغامض) إذ يتخذ (هو ) هيئة قوة قدرية/قمعية تمارس هذه القوة لعباً عبثياً ( يلهو بنرد مواجعي ) غير أن الذروة النصية تكشف مفارقة أخلاقية: الجاني يرثي ما دمره (يرثي القصيدة وهو من أحرق الكتاب) مما يفتح أفقاً تأويلياً حول عبثية الندم وتهافت المعنى. وعليه ، تتحول القصيدة إلى نقد ضمني لفكرة الخلاص أو الاتساق الأخلاقي….

يمكن إجراء مقارنة موجزة مع بعض نماذج الأدب النسوي العالمي من زاوية تمثيل الجسد والذات المتصدعة:
تتقاطع قصيدة (وهم السحاب) مع كتابة الشاعرة الأمريكية (سيلفيا بلاث) في تحويل الجسد إلى حقل دلالي للألم والتمزق، حيث لا يقدم بوصفه كياناً بيولوجياً بل بنية لغوية محملة بالعنف الرمزي. كما تلتقي مع الشاعرة الأمريكية (أدريان ريتش) في تفكيك مركزية الذات وإعادة بنائها عبر خطاب يشتغل على مقاومة الإخضاع . غير أن نص الشاعرة مرشدة جاويش يميل إلى تجريد أكثر كثافة وأقل مباشرة أيديولوجياً . كذلك يمكن رصد صلة مع الكاتبة البريطانية (فرجينيا وولف) من حيث تسييل الهوية وتفكيك ثباتها داخل تدفق شعوري متشظ، غير أن القصيدة تنجز ذلك عبر اقتصاد شعري مكثف بدل السرد.
وعليه ، تنخرط القصيدة ضمن أفق نسوي حداثي عالمي يعيد صياغة الجسد والذات بوصفهما موقعين للصراع الرمزي مع خصوصية أسلوبية تقوم على تكثيف المجاز وتغليب البنية الشعرية على التصريح الخطابي….

و هكذا نستنتج أن النص ينجز كتابة ذاتية تتجاوز البوح إلى بناء (ميتافيزيقا للخذلان )، حيث اللغة ليست وسيلة تعبير بل مسرح صراع والذات ليست مركزاً ثابتاً بل أثراً لعملية محو مستمرة. قوة القصيدة تكمن في تكثيفها الدلالي وقدرتها على تحويل المجاز إلى بنية فكرية تجسد مأزق الوجود في حداثة قلقة….

النص :
وهمُ السَّحاب

تجرّدٌ يَرشُّ الصَّمتَ
في رئَةِ المَدَى
تتشظى الرُّؤيا على
حجرِ الغِيابْ
والرِّيحُ مِخرَزُها يُخيطُ مَلامِحي
بِخُيوطِ ليلٍ لا يُؤدِّي للإيابْ
هذا الذي بَسَطَ الخَديعةَ
فوقَ جَفني
واستباحَ دَمَ السُّؤالْ
يَلهو بِنَردِ مَواجعي
ويَجُسُّ نَبضَ الرَّملِ في
جَسَدِ المَحَالْ
أنا قِبلةٌ مَنسِيَّةٌ
صلَّى عليها الوَجدُ سَهواً
ثمَّ غابْ
أنا طَعنةٌ عَطشى
تُفتِّشُ في جِدارِ الصَّدرِ
عَنْ وَهمِ السَّحابْ
هُوَ يستلبُ أصابعي
ليَقُصَّ عَنِّي صرخةً مخنوقةً
ويُعِيذَ أشواقي بِجمهَرَةِ
العَذابْ!
يَقتادُ أحلامي لِمقصلَةِ
الذُّبولْ ويَصبُّ في نَومي
دُوارَ نبيذِهِ
ليَصيرَ صَحوي فِكرةً
مَصلوبةً خَلفَ الضَّبابْ
يَمشي على قَلبي كأنهُ
آخِرُ العُشَّاقِ في مُدنِ
الرَّمادْ ويَرشُّ مِلحَ يَقينِهِ
فوقَ الجِراحِ
لِتَشهَقَ الذِّكرى ويَنكسِرَ
العِنادْ
يَجتاحُني
يَمتصُّ آخِرَ نُقطَةٍ في
فنائنا حتى إذا ما جَفَّ
هَذا الحِبرُ في شِريانِنا
وأضاعَني
وَقَفَ الجاني ببابِ عُمري نادِماً
يَرثي القَصيدَةَ
وهوَ مَنْ أحْرَقَ الكِتابْ!

مرشدة جاويش

من مجموعة /سقوط الظل/

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى