كتاب وشعراء

خُيُوطُ الْحِكْمَةِ… بِقَلَمِ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

بَيْنَ فَيْضِ الْمَشَاعِرِ الْوِجْدَانِيَّةِ، وَرَحَابَةِ الرُّوحِ السَّوِيَّةِ، وَسُكُونِ التَّأَمُّلِ الْعَقْلِيِّ تَأْتِي خُيُوطُ الْحِكْمَةِ، كَاسْمٍ يَجْمَعُ بَيْنَ نُورِ الْعَقْلِ، وَدِفْءِ الْوِجْدَانِ، وَبَيْنَ الْوَاقِعِ، وَالْخَيَالِ، هِيَ لَمْسَةٌ مِنْ نُورٍ، وَخَيْطٌ مِنْ إِحْسَاسٍ، وَنَسِيجٌ مِنْ حِكْمَةٍ؛ يُحَاكُ مِنْهُمْ ثَوْبًا مِنَ الْجَمَالِ الْمَعْنَوِيِّ، وَالْمَادِّيِّ يَغْمُرُ الرُّوحَ، وَالنَّفْسَ، وَيُعْطِي الْعَقْلَ وَقَارَهُ، وَالسَّمْتَ بَهَاءَهُ، فَفِي عَالَمٍ تَخْتَلِطُ فِيهِ الْأُمُورُ، وَتَتَلَاشَى فِيهِ الْمِصْدَاقِيَّةُ، وَتَتَنَازَعُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ بَيْنَ الْحَقِّ، وَالْخَبَالِ، وَمَا بَيْنَ حُسْنِ خُلُقٍ، وَأَرْذَلِ الْخِلَالِ؛ تَنْبَثِقُ خُيُوطُ الْحِكْمَةِ لَا بِوَصْفِهَا عُنْوَانًا يُقْرَأُ، بَلْ مَعْنًى يُعَاشُ، وَمَسَارًا يُهْتَدَى بِهِ فِي مَتَاهَاتِ الْأَيَّامِ، وَابْتِلَاءَاتِ الْأَنَامِ، فَهِيَ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُرَصُّ فَوْقَ أَسْطُرِ صَفَحَاتٍ بَيْضَاءَ، وَإِنَّمَا أَنْوَارٌ تَتَسَلَّلُ إِلَى الْعُقُولِ؛ فَتُوقِظُ فِيهَا الْوَعْيَ، وَإِلَى الْقُلُوبِ؛ فَتَبْعَثُ فِيهَا الْحَيَاةَ.
ــ هُنَاكَ حَيْثُ يَلْتَقِي الْعَقْلُ بِالْبَصِيرَةِ، وَالْفِكْرَةُ بِالتَّجْرِبَةِ، وَالْوِجْدَانُ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْمَشَاعِرُ بِالصِّدْقِ تَتَشَكَّلُ خُيُوطُ الْحِكْمَةِ؛ لِتَكُونَ جِسْرًا بَيْنَ مَا نَعْرِفُهُ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِفَهُ، وَبَيْنَ مَا تَرَاهُ أَعْيُنُنَا، وَمَا تُخْفِيهِ أَعْمَاقُ أَنْفُسِنَا ، هِيَ خُيُوطٌ تُغْزَلُ مِنْ تَجَارِبِ الْبَشَرِ، لَا مِنْ أَوْهَامِهِمْ، وَمِنْ صِدْقِ الْمُعَانَاةِ، لَا مِنْ زِينَةِ الْقَوْلِ، وَبَرِيقِ الْفِعْلِ، خُيُوطٌ نَسَجَتْهَا الْأَيَّامُ بِخُيُوطِ الصَّبْرِ، وَعَقَدَتْهَا الْمَوَاقِفُ بِعُقَدِ الدُّرُوسِ الْمُسْتَخْلَصَةِ، وَالْعِبَرِ الْمُسْتَنْبَطَةِ؛ حَتَّى غَدَتْ نَسِيجًا مَتِينًا يُسْتَظَلُّ بِهِ عِنْدَ اشْتِدَادِ حَرِّ الْفِتَنِ، وَيُسْتَضَاءُ بِهِ عِنْدَ تَكَاثُفِ ظُلُمَاتِ الْمِحَنِ.
ــ إِنَّ خُيُوطَ الْحِكْمَةِ تَلْتَئِمُ بِهَا الْجِرَاحُ، وَتَبْرَأُ عَلَى هَدْيِهَا الْعِلَلُ، وَتُوصِلُ مَا انْقَطَعَ، وَتَجْبُرُ الْقُلُوبَ الْمُنْكَسِرَةَ، وَتَضَعُ الْأُمُورَ فِي نِصَابِهَا الصَّحِيحِ بِلَا إِطْرَاءٍ، أَوْ تَجْرِيحٍ، وَدُونَ إِفْرَاطٍ، أَوْ تَفْرِيطٍ، فَلَا هِيَ انْدِفَاعٌ أَعْمَى يَقُودُ إِلَى النَّدَمِ، وَلَا تَرَيُّثٌ مُفْرِطٌ يُمِيتُ الْفُرَصَ، وَيُعَطِّلُ الْمَصَالِحَ بِغَايَةِ الْأَلَمِ، إِنَّهَا الْمِيزَانُ الدَّقِيقُ الَّذِي يَزِنُ الْمَوَاقِفَ بِوَعْيٍ، وَيَمْنَحُ كُلَّ أَمْرٍ قَدْرَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وَهِيَ أَشْبَهُ بِشَعْرَةِ مُعَاوِيَةَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ؛ إِنِ اشْتَدُّوا لَانَتْ، وَإِنْ لَانُوا حَزَمَتْ، فَلَا تَنْقَطِعُ بِهَا أَوَاصِرُ الْوُدِّ، وَلَا تَضِيعُ مَعَهَا هَيْبَةُ الْمَوْقِفِ، فَالْحِكْمَةُ إِنْصَاتٌ عَمِيقٌ لِكُلِّ الْأَطْرَافِ، لَا يَكْتَفِي بِسَمَاعِ الْأَصْوَاتِ الصَّاخِبَةِ، بَلْ يَنْفُذُ إِلَى الْمَعَانِي، وَالدَّوَافِعِ، حَتَّى تَكْتَمِلَ الصُّورَةُ، وَتَتَّضِحَ الْحَقَائِقُ؛ فَيَصْدُرُ الْحُكْمُ خَالِيًا مِنَ التَّحَيُّزِ، بَعِيدًا عَنِ الْأَهْوَاءِ، نَائِيًا عَنِ الْمُيُولِ، وَالرَّغَبَاتِ. فَمَنْ رَزَقَهُ اللهُ ـ تَعَالَى ـ الْحِكْمَةَ أَدْرَكَ أَنَّ الْقُوَّةَ لَيْسَتْ فِي الْغَلَبَةِ دَائِمًا، بَلْ فِي حُسْنِ التَّقْدِيرِ، وَجَمَالِ التَّدْبِيرِ، وَإِبْدَاعِ التَّصَرُّفِ دُونَ تَكَلُّفٍ، أَوْ تَعَنُّتٍ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ فِي مَوْضِعِهَا قَدْ تُصْلِحُ مَا تَعْجِزُ عَنْهُ سِنُونٌ مِنَ الْخِصَامِ، وَأَنَّ الْعَدْلَ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِفَهْمٍ سَابِقٍ لَهُ، وَرَحْمَةٍ تُزَيِّنُهُ، وَبَصِيرَةٍ تَهْدِيهِ. فَالْحِكْمَةُ نُورٌ يَهْدِي فِي مَوَاطِنِ الْحَيْرَةِ، وَسَفِينَةُ نَجَاةٍ تَعْبُرُ بِصَاحِبِهَا أَمْوَاجَ الْحَيَاةِ الْمُتَلَاطِمَةَ إِلَى شَاطِئِ الرُّشْدِ، وَالسَّكِينَةِ.
ــ فَفِي زَمَنٍ اخْتَلَطَتْ فِيهِ الْأَصْوَاتُ حَتَّى ضَاعَ الْمَعْنَى، وَتَشَابَهَتْ فِيهِ الكَلِمَاتُ حَتَّى الْتَبَسَ الْمَغْزَى، تُصْبِحُ الْحِكْمَةُ أَشْبَهَ بِمَنَارَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى شَاطِئٍ مُضْطَرِبٍ؛ لَا تَمْنَعُ الْأَمْوَاجَ مِنَ الْفَوَرَانِ، لَكِنَّهَا تَمْنَعُ السُّفُنَ مِنَ الْغَرَقِ؛ إِنَّهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ الْهَادِئُ الْحَكِيمُ الَّذِي يَغْلِبُ الضَّجِيجَ، وَذَلِكَ النُّورُ السَّاطِعُ الَّذِي يَقْشَعُ لَمَعَانَ السَّرَابِ فِي الْهَجِيرِ، وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الْكَلِمَاتُ صَدًى لِتَجْرِبَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ تَرَى أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ لَيْسَ كَثْرَةَ مَا يَقُولُ، بَلْ صَوَابَ مَا يَقُولُ، وَلَيْسَ كَثْرَةَ مَا يَجْمَعُ، بَلْ حُسْنَ مَا يَحْفَظُ، وَلَيْسَ طُولَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقْطَعُهُ، بَلْ سَلَامَةَ الْوِجْهَةِ الَّتِي يَسِيرُ إِلَيْهَا؛ فَالْحِكْمَةُ لَا تُقَاسُ بِوَفْرَةِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنَّمَا بِقُدْرَةِ صَاحِبِهَا عَلَى وَضْعِ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ المُنَاسِبِ ، وَقَوْلِ كُلِّ كَلِمَةٍ فِي وَقْتِهَا، وَاتِّخَاذِ كُلِّ مَوْقِفٍ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ، وَالْوَعْيِ ، فَبِخُيُوطِ الْحِكْمَةِ ؛ تَتَصَافَحُ الْمَشَاعِرُ الصَّادِقَةُ مَعَ الْفِكْرَةِ الرَّشِيدَةِ، فَلَا تَطْغَى الْعَاطِفَةُ حَتَّى تُعْمِيَ الْبَصِيرَةَ، وَلَا يَسْتَبِدُّ الْعَقْلُ حَتَّى يَجِفَّ الْوِجْدَانُ، وَهُنَا يَجِدُ الْقَارِئُ مِرْآةً يَرَى فِيهَا بَعْضًا مِنْ نَفْسِهِ؛ يَرَى نَجَاحَاتِهِ وَإِخْفَاقَاتِهِ، قُوَّتَهُ وَضَعْفَهُ، يَقِينَهُ ، وَتَرَدُّدَهُ، فَيُدْرِكُ أَنَّ رِحْلَةَ الْإِنْسَانِ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي عُبُورِ الْأَمْكِنَةِ، بَلْ فِي عُبُورِ ذَاتِهِ نَحْوَ صُورَةٍ أَنْقَى، وَأَكْمَلَ.
ــ إِنَّ خُيُوطَ الْحِكْمَةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نُصُوصٍ تُقْرَأُ ، ثُمَّ تُطْوَى، بَلْ دَعْوَةٌ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الَّتِي نُهْمِلُهَا، وَإِلَى الْمَعَانِي الَّتِي نَغْفُلُهَا، وَجَرَسُ تَنْبِيهٍ بِالْإِصْغَاءِ إِلَى الدُّرُوسِ الَّتِي تَمُرُّ بِنَا كُلَّ يَوْمٍ دُونَ أَنْ نَتَوَقَّفَ عِنْدَهَا، فَهِيَ تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُصُومَةِ يَسْتَنِدُ إِلَى كَلِمَةٍ بِلَا حِكْمَةٍ، وَكَثِيرًا مِنَ الْمَحَبَّةِ تَعْتَمِدُ عَلَى كَلِمَةٍ وَاعِيَةٍ، وَأَنَّ اللِّسَانَ قَدْ يَهْدِمُ فِي لَحْظَةٍ مَا تَعْجِزُ عَنْ بِنَائِهِ الْأَيَّامُ، كَمَا قَدْ يَبْنِي فِي لَحْظَةٍ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ الْأَعْوَامُ.

فَفِي دُرُوبِ الْحَيَاةِ مَا أَحْوَجَ النَّاسَ إِلَى خَيْطٍ مِنَ الْحِكْمَةِ يَجْمَعُ مَا فَرَّقَتْهُ الْأَهْوَاءُ، وَيُلَمْلِمُ مَا تَنَاثَرَ مِنْ أَشْلَاءٍ، وَيُعِيدُ لِلْعَلَاقَاتِ مَعْنَاهَا الرَّصِينَ بَعْدَ أَنْ أَثْقَلَتْهَا الْمَصَالِحُ !، فَالْحِكْمَةُ لَيْسَتْ ضَعْفًا أَمَامَ الْخَطَأِ، بَلْ قُوَّةٌ فِي مُعَالَجَتِهِ، وَلَيْسَتْ صَمْتًا عَنِ الْحَقِّ، بَلْ حُسْنُ بَيَانٍ لَهُ، وَلَيْسَتْ تَنَازُلًا عَنِ الْكَرَامَةِ، بَلْ سُمُوٌّ بِهَا فَوْقَ صَغَائِرِ النُّفُوسِ؛ إِنَّهَا الْقُوَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَرْبَحُ قَلْبًا بَدَلَ أَنْ يَكْسَبَ جِدَالًا، وَيُبْقِي بَابَ الْمَوَدَّةِ مَفْتُوحًا وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْآرَاءُ، وَيُقَدِّمُ بَقَاءَ الْجُسُورِ عَلَى لَذَّةِ الِانْتِصَارِ الْعَابِرِ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْحِكْمَةُ أَعْظَمَ مَا يُوَرَّثُ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهَا تَحْفَظُ الْوُدَّ إِذَا اضْطَرَبَ، وَتَرْدِمُ فَجَوَاتِ الْجَفَاءِ إِذَا اتَّسَعَتْ، وَتَمْنَحُ الْقُلُوبَ قُدْرَةً عَلَى الْفَهْمِ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَفِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ يَبْقَى الْإِنْسَانُ بِمَا يَتْرُكُهُ مِنْ أَثَرٍ، لَا بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ مَتَاعٍ؛ وَتَبْقَى الْكَلِمَةُ الْحَكِيمَةُ أَبْقَى مِنَ الصَّخَبِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبِذْرَةَ الَّتِي قَدْ تَغِيبُ فِي التُّرَابِ طَوِيلًا، لَكِنَّهَا لَا تَلْبَثُ أَنْ تُخْرِجَ يَوْمًا شَجَرَةً يَسْتَظِلُّ بِهَا الْعَابِرُونَ، وَيَسْتَرِيحُ تَحْتَهَا السَّائِرُونَ.
ــ وَهَكَذَا تَظَلُّ خُيُوطُ الْحِكْمَةِ مُمْتَدَّةً عَبْرَ الزَّمَنِ، تَحْمِلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ مِيرَاثَ الْعَقْلِ، وَنُبْلَ الْخُلُقِ، وَضِيَاءَ الْبَصِيرَةِ؛ لِتُؤَكِّدَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْهَضُ بِالْقُوَّةِ فَقَطْ، وَلَا يَسُودُ بِالْمَعْرِفَةِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَنْهَضُ الْحَيَاةُ كُلُّهَا حِينَ تَقْتَرِنُ الْمَعْرِفَةُ بِالْحِكْمَةِ، وَالْقُوَّةُ بِالرَّحْمَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْعَمَلِ. فَإِذَا كَانَتِ الْأَيَّامُ تُفَرِّقُ النَّاسَ أَحْيَانًا؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَجْمَعُهُمْ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَهْوَاءُ تُشَتِّتُ الْقُلُوبَ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تُؤَلِّفُ بَيْنَهَا، وَإِذَا كَانَ الْعُمْرُ رِحْلَةً قَصِيرَةً بَيْنَ مِيلَادٍ، وَرَحِيلٍ، فَإِنَّ خَيْرَ مَا يَحْمِلُهُ الْمُسَافِرُ فِي زَادِهِ، وَأَبْقَى مَا يُخَلِّفُهُ بَعْدَهُ، خَيْطٌ مِنَ الْحِكْمَةِ يَمْتَدُّ أَثَرُهُ، كَامْتِدَادِ النُّورِ فِي الدَّرْبِ، وَالْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ.
ــ إِنَّ خُيُوطَ الْحِكْمَةِ لَيْسَتْ أَنْطُولُوجِيَا، بَلْ هِيَ مَأْوًى لِلْأَفْكَارِ الصَّادِقَةِ، وَمَوْطِنٌ لِلْأَحْلَامِ الْمُتَحَقِّقَةِ، وَفَضَاءٌ يَلْتَقِي فِيهِ الْأَمَلُ بِالْوَاقِعِ الْمُعَاشِ، فِي رِحْلَةٍ أَبَدِيَّةٍ بَيْنَ الْمَعْنَى، وَالْمَغْزَى، وَالْقِيمَةِ، وَالْجَمَالِ، وَالدَّهْشَةِ، وَالْإِبْهَارِ، فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى خُيُوطٍ مِنَ الْحِكْمَةِ تَجْمَعُ فُرْقَتَنَا، وَتُعِيدُ تَرْتِيبَ شَعْثِنَا، وَتَضْبُطُ شِقْوَتَنَا؛ فَحِينَ تَتَشَابَكُ الْعَلَاقَاتُ، وَتَقَعُ الْأَقْدَارُ، يَظَلُّ خَيْطُ الْحِكْمَةِ هُوَ الْأَدَاةَ الْأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى إِعَادَةِ وَصْلِ مَا انْقَطَعَ، وَتَرْمِيمِ مَا انْصَدَعَ، وَتَرْقِيعِ مَا انْقَطَعَ ،كَخَيْطٍ رَفِيعٍ يَرْبِطُ بَيْنَ مَتَاهَاتِ الْفِصَامِ، وَعَبَثِ الْخِصَامِ، فَكَمَا أَنَّ الْخَيْطَ هُوَ الْعُنْصُرُ الْفَاعِلُ الَّذِي يَلْتَئِمُ بِهِ الْجُرْحُ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْوِعَاءُ الْجَامِعُ لِشَتَاتِ الأنْفُسِ الْمُتَنَاثِرَةِ، وَتَرْتِيبُ مَا تَبَعْثَرَ مِنْ حُبٍّ، وَتُقَدِّرُ كُلَّ وُدٍّ بِقُرْبٍ؛ فَالْحِكْمَةُ، بِخَيْطٍ دَقِيقٍ، تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْتَرِقَ حَوَاجِزَ الْكِبْرِيَاءِ، وَتَنْقُشَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ دُرُوبًا جَدِيدَةً مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالتَّفَاهُمِ، وَالْوَفَاءِ، وَتُعِيدَ لِلْأَرْوَاحِ الْمُنْكَسِرَةِ مَا فَقَدَتْهُ مِنْ صَفَاءٍ؛ إِنَّهَا الْقُوَّةُ النَّاعِمَةُ الْفَاعِلَةُ الصَّامِتَةُ الَّتِي تُدَاوِي الْبَيْنَ، وَتَغْزِلُ مِنْ خُيُوطِ الزَّمَنِ رَوَابِطَ لَا تَنْقَسِمُ، وَمَهْمَا عَصَفَتِ الرِّيَاحُ لَا تَنْفَصِمُ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى