ما بَيْنَ رِيحِ القُتَارِ، وَرِيحِ الخُزَامَى… بِقَلَمِ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو صَالِحَةٍ

ما بَيْنَ رِيحِ القُتَارِ1، ذٰاكَ الدُّخَّانِ المُتَصَاعِدِ مِنْ قُدُورِ الكَدَحِ، المُشَبَّعِ بِرَائِحَةِ السَّعْيِ، وَعَرَقِ الأَيَّامِ؛ إِذْ يُلَوِّحُ بِمَعْنَى العَيْشِ المُمتَزِجِ بِالكَدَرِ، وَيَشْهَدُ بِزَوَالٍ يَنْسَابُ فِي كُلِّ لَذَّةٍ؛ وَبَيْنَ رِيحِ الخُزَامَى2، نَفْحَةِ الصَّفَاءِ الرَّقِيقِ، وَوَشْوَشَةِ الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي تُلَامِسُ خَفَايَا الرُّوحِ، وَتَسْتَدْعِي وَعْدَ النَّعِيمِ، يَمْتَدُّ قَوْسُ العُمْرِ الإِنْسَانِيِّ، مَشْدُودًا بَيْنَ ابْتِدَاءٍ مَعْلُومٍ، وَمُنْتَهًى مَحْتُومٍ ، إِنَّهَا حَيَاةُ الاِخْتِبَارِ؛ لَا يُعَوَّلُ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ العُبُورِ مِنْهَا، بِقَدْرِ الاِهْتِمَامِ بِمَعْنَاهُ، وَغَايَتِهِ، وَدَرَجَتِهِ؛ حَرَكَةٌ فِي الظَّاهِرِ، وَنِيَّةٌ فِي البَاطِنِ، سَيْرٌ بِالجَسَدِ، وَمُحَاسَبَةٌ فِي المَصِيرِ ، وَالإِنْسَانُ فِيهِ لَيْسَ كَائِنًا يُلْقَى فِي مَجْرَى الأَقْدَارِ ، فَحَسْبُ، بَلْ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَصَانِعٌ لِوِجْهَتِهِ فِي إِطَارِ عِلْمٍ مُحِيطٍ، وَقُدْرَةٍ نَافِذَةٍ، وَمَشِيئَةٍ لَا يَغِيبُ عَنْهَا خَفِيٌّ، فَلَيْسَ الإِنْسَانُ رِيشَةً مُعَلَّقَةً فِي الهَوَاءِ يُقَلِّبُهَا القَضَاءُ كَيْفَمَا شَاءَ، بَلْ يُسَائِلُهُ فِعْلُهُ، وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ قَصْدُهُ، فَإِنِ اسْتَقَامَ عَلَى حَدِّ الحَقِّ، مُفَرِّقًا بَيْنَ وُجُوهِ الهُدَى، وَمَسَالِكِ الغَيِّ، انْكَشَفَ لَهُ الطَّرِيقُ ،كَأَنَّهُ صُبْحٌ لَا عَتْمَةَ فِيهِ، وَإِنْ أَرْخَى سَمْعَهُ لِهَمْسِ الهَوَى، تَلَبَّسَتْ عَلَيْهِ المَعَايِيرُ؛ فَاخْتَلَطَتْ عِنْدَهُ الحَقَائِقُ، وَغَدَا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ نُورٍ يَتَجَلَّى، وَبَرِيقٍ يَخْدَعُ؛ فَيَضِلُّ، لَيْسَ لِأَنَّ الحَقَّ مُسْتَتِرٌ، بَلْ لِأَنَّ البَصِيرَةَ قَدْ عَمِيَتْ عَنْ تَيَقُّنِهِ، وَلَيْسَ لِأَنَّ السَّبِيلَ غَامِضٌ، بَلْ لِأَنَّ النَّفْسَ أَعْرَضَتْ عَنْهُ، وَنَأَتْ بِنَفْسِهَا عَنِ السَّيْرِ فِيهِ.
ــ إِنَّ الإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ فِيمَا كُلِّفَ بِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَمَّا قَالَ، وَمُحَاسَبٌ بِمَا فَعَلَ فِي الطَّاعَاتِ، وَالصَّلَاحِ، وَالخَيْرِ، وَالبِرِّ، وَسُلُوكِ سَبِيلِ الهِدَايَةِ، أَوْ أَنْ يَجْتَنِبَهَا فِي الشَّرِّ، وَالفُسُوقِ، وَالعِصْيَانِ، وَهَذِهِ الأُمُورُ أَعْطَى اللهُ ابْنَ آدَمَ فِيهَا قَدْرًا مِنَ الِاخْتِيَارِ، فِي فِعْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا؛ لِيَجْزِيَهُ بِفَضْلِهِ عَلَى الحَسَنَاتِ أَضْعَافًا، وَبِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا عَدْلًا مِنْهُ جَلَّ جَلَالُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾3 ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾4.
ــ إِنَّ القَوْلَ بِالجَبْرِ المُطْلَقِ بَاطِلٌ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ إِلْغَاءِ التَّكْلِيفِ، وَمَبْدَأِ الثَّوَابِ ، وَالعِقَابِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، فَالإِنْسَانُ مُسَيَّرٌ فِي بَعْضِ الأُمُورِ الخَارِجَةِ عَنْ إِرَادَتِهِ، فَمَا أَرَادَهُ اللهُ بِهِ لَا مَفَرَّ لَهُ مِنْهُ؛ فَهُوَ مَسِيرٌ فِيهِ، وَذٰلِكَ كَخِلْقَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، مِنْ طُولٍ ، وَقِصَرٍ، وَبَيَاضٍ ، أَوْ سُمْرَةٍ، وَمِنْ إِبْصَارٍ ، أَوْ عَدَمِ إِبْصَارٍ، وَمِنْ مَكَانٍ لَا بُدَّ أَنْ يَحِلَّ بِهِ، وَمَرْكَبٍ لَا بُدَّ أَنْ يَرْكَبَهُ، وَمِنْ كَوْنِهِ عَقِيمًا ، أَوْ مُنْجِبًا بِمَا شَاءَ اللهُ لَهُ مِنْ وَلَدٍ، إِلَى غَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الأَقْدَارِ المَقْدُورَةِ فِي عَالَمِ الأَزَلِ، فَلَا يَمْلِكُ العَبْدُ إِزَاءَهَا اخْتِيَارًا؛ لِيُغَيِّرَهَا ، أَوْ يَحُولَهَا عَنْ مَسَارِهَا، فَإِنَّهَا مِنْ صُنْعِ الفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، وَهٰذَا التَّسْيِيرُ ؛ لِحِكْمَةٍ، وَيَجْتَمِعُ فِي حَقِّ الإِنْسَانِ التَّسْيِيرُ ، وَالتَّخْيِيرُ، وَيَكُونُ اخْتِيَارُهُ أَسَاسَ مُحَاسَبَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ العِقَابُ جَزَاءً عَلَى اخْتِيَارٍ سَابِقٍ، لَا قَهْرًا مَفْرُوضًا عَلَيْهِ.
ــ إِنَّ طَبِيعَةَ الإِنْسَانِ مُزْدَوِجَةٌ، فِيهَا قَابِلِيَّةٌ لِلْخَيْرِ، وَالشَّرِّ، وَقَدْ مُنِحَ عَقْلًا ، وَإِرَادَةً؛ لِيَخْتَارَ بَيْنَهُمَا؛ وَهٰذَا الِاخْتِيَارُ هُوَ جَوْهَرُ الِابْتِلَاءِ، وَبِهِ تَتَحَدَّدُ سَعَادَتُهُ، أَوْ شَقَاوَتُهُ فِي الدُّنْيَا ، وَالآخِرَةِ، فَلَا يَعِيشُ الإِنْسَانُ بَيْنَ ضِدَّيْنِ فَحَسْبُ، بَلْ بَيْنَ نِدَاءَيْنِ مُتَصَارِعَيْنِ فِي أَعْمَاقِهِ: نِدَاءٌ يَرْفَعُهُ إِلَى مَقَامِ الكَمَالِ، وَنِدَاءٌ يَهْبِطُ بِهِ إِلَى حَضِيضِ الغَفْلَةِ ، وَالهَوَى ، فَكَأَنَّ القَلْبَ، وَالعَقْلَ مِيزَانٌ دَقِيقٌ؛ فِي كِفَّةٍ أَشِعَّةُ النُّورِ، وَفِي الأُخْرَى أَثْقَالُ الظُّلْمَةِ ، وَالعَتَمَةِ، وَكُلَّمَا رَجَحَتْ إِحْدَاهُمَا؛ مَالَ الكِيَانُ كُلُّهُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الخَطَرُ فِي أَنْ تَمِيلَ الكِفَّةُ سَاعَةً، بَلْ فِي أَنْ تَأْلَفَ المَيْلَ ؛ حَتَّى يَصِيرَ طَبْعًا، وَتَسْتَمْرِئَ الِانْحِرَافَ حَتَّى يَغْدُو نَهْجًا ، وَإِنَّ أَعْجَبَ مَا فِي شَأْنِ الإِنْسَانِ ؛ أَنَّهُ يُبْصِرُ الطَّرِيقَيْنِ مَعًا، وَتَقُومُ عَلَيْهِ الحُجَجُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، ثُمَّ يُخَيَّرُ؛ فَلَا يُؤْخَذُ قَسْرًا، وَلَا يُسَاقُ جَبْرًا، بَلْ يُتْرَكُ ؛ لِيَصُوغَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ الكَاتِبُ لِسِيرَةِ حَيَاتِهِ، وَالمُحَدِّدُ لِمَصِيرِهِ ؛ بِاخْتِيَارِهِ ، وَتَمَامِ فِعْلِهِ، وَإِنْ كَتَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَزَلًا قَبْلَ خَلْقِهِ بِسَابِقِ عِلْمِهِ المُحِيطِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَإِذَا اخْتَارَ النُّورَ؛ انْفَتَحَتْ لَهُ مَسَالِكُ البَصِيرَةِ، وَصَارَ يَرَى بِنُورٍ لَا يَخْبُو؛ فَيُمَيِّزُ بَيْنَ إِشْرَاقِ الحَقِّ ، وَزَيْفِ البَاطِلِ، وَبَيْنَ صَفَاءِ الجَوْهَرِ، وَزُخْرُفِ المَظْهَرِ، أَمَّا إِذَا رَكَنَ إِلَى الظُّلْمَةِ؛ انْطَمَسَتْ مَعَالِمُهُ، وَغَدَا كَمَنْ يَمْشِي فِي ضَبَابٍ كَثِيفٍ؛ فَيَرَى ، وَلَا يُبْصِرُ، وَيَسِيرُ فَيَتَعَثَّرُ، ثُمَّ لَا يَسْمَعُ ، وَلَا يَعْقِلُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ سَلَامَةِ سَمْعِهِ، وَصِحَّةِ عَقْلِهِ ، فَإِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ؛ فَاجْعَلْ قَلْبَكَ مِيزَانًا لَا يَخْتَلُّ، وَعَقْلَكَ مِصْبَاحًا لَا يَنْطَفِئُ، وَإِيمَانَكَ جِذْرًا لَا تَقْتَلِعُهُ العَوَاصِفُ، وَكُنْ كُلَّمَا وَقَفْتَ بَيْنَ رِيحِ القُتَارِ، وَرِيحِ الخُزَامَى، عَرَفْتَ طَرِيقَكَ بِلَا تَرَدُّدٍ، وَاخْتَرْتَ طَهَارَةَ المَعْنَى عَلَى ثِقَلِ المَبْنَى ، وَرُسُوخَ البَقَاءِ علي سُهُولَةِ الِانْحِدَارِ فِي الخَواءِ ، وَهَكَذَا تَمْضِي الحَيَاةُ: لَيْسَتْ طَرِيقًا مَفْرُوشًا بِالوُرُودِ، بَلِ امْتِحَانًا مُمْتَدًّا بِالأَشْوَاكِ؛ وَلَيْسَتْ جَمْعًا بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، بَلْ تَرْجِيحًا دَائِمًا لِأَحَدِهِمَا، فَمَنْ أَحْسَنَ التَّرْجِيحَ؛ اسْتَقَامَ وُجُودُهُ، وَمَنْ اضْطَرَبَ مِيزَانُهُ؛ اضْطَرَبَتْ حَيَاتُهُ، وآخِرَتُهُ ، وَفِي النِّهَايَةِ، لَا يَبْقَى لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا اخْتَارَهُ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ إِلَّا مَا آثَرَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَثَرُهُ نَسِيمًا يُحْيِي القُلُوبَ، وَيُنْعِشُ الأَرْوَاحَ، كَرِيحِ الخُزَامَى، أَوْ دُخَانًا شَاحِبًا يُزْكِمُ الأُنُوفَ، وَيُثْقِلُ الأَبْدَانَ كَرِيحِ القُتَارِ؛ وَبَيْنَ هٰذَيْنِ المَثَلَيْنِ تُخْتَصَرُ الحِكَايَةُ كُلُّهَا.
الهوامش:
1- القُتَارُ: دُخَانٌ ذو رائحة خاصَّة ينبعث من الطَّبيخ، أو الشِّواء، أَو العظم المحروق، أو البَخور
2-ريح الخزامى: الريح: الهواء الخفيف، الخزامى نبات له رائحة طيبة تسر النفس وتهدئ الأعصاب، والمراد من ريح الخزامى هنا هو الهواء الذي اصطدم بالخزامى فحمل رائحته ونشرها في الأجواء.
3- النساء 40. 4- الأنعام 160.