كتاب وشعراء

سيجارة قرب النافذة…..بقلم محب خيري الجمال

أجلس قرب النافذة كأنني حارسٌ ليليّ
في محطةٍ نسيها القطار.
الشارعُ تحتَ قدميّ
مبللٌ بأحذية العابرين وبقايا الشتاءات القديمة.
أراقبُ ظلي
وهو يجرُّ جسده على الجدار المقابل
مثلَ كلبٍ متعب عاد متأخرًا ولم يجد الباب.
لا شيء يحدث.
مصباحٌ يرتجف في آخر الزقاق، وسيارةُ أجرة تمضي ببطء
كأنها تحملُ موتى إلى ضاحيةٍ بعيدة.
رسائلُ الماسنجر فارغةٌ كغرفٍ نُسيت مفاتيحها في الجيب،
تفتحُ نفسها على لا أحد
وتغلقُ على لا أحد.
قصائدي المكرورة على الفيس كما هي
وحيدة، متربة كحياة غير ضرورية
رسائلُ الواتس تنبُحُ من الوحدة ككلابٍ إلكترونية
تتشمم أثر الصوت القديم
ولا تعثر إلا على الصدى.
وفي مكانٍ ما يظهر اسمٌ مؤجلٌ على الشاشة،
كياسمينٍ، أو كظلِّ رسالةٍ لم تُرسَل،
أو كحروفٍ تتردد قبل أن تقع،
كأن الذاكرة تعيدُ ترتيب خطئها،
نصٌّ يبدأ ثم يتراجع، وصوتٌ يحاول أن يتذكّر شكله
ولا ينجح.
أفكر بكِ دون سبب واضح،
كما يفكرُ منفيّ بشجرةٍ رآها مرة خلف نافذة الحافلة
ثم اختفت.
وجهكِ
يلتصقُ بالأشياء الصغيرة:
بفنجان القهوة البارد،
بالمعطف المعلّق قرب الباب،
بالأغاني التي تنطفئ قبل نهايتها.
وأنا
كلما حاولتُ أن أشرح ما أشعر به
خرجت الكلمات
خشبيةً
ومغبرة كأثاث فندق رخيص في داخلي
تدور حروبٌ صغيرة لا يراها أحد.
أبتسم للبائع،
أشعل سيجارة،
أعدّ النقود الباقية،
وأتحدث بخفة عن الطقس والمدن والأصدقاء الذين تزوجوا.
لكنني في الليل
أسمع قلبي وهو يهبط السلالم وحده.
ثمة دائمًا
مقعدٌ فارغ في آخر الروح لشخصٍ غادر
دون أن يغلق الباب،
أو لحياةٍ كاملة أخطأتِ العنوان
ومرّت
دون أن تطرق نافذتي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى