
قال العقل:
أنا من بنيتُ القصورَ من حجرِ المنطق،
ورسمتُ للطريقِ خرائطَ لا يضلّ فيها سالك.
أقيسُ الأمورَ بميزانِ العِلل، وأسمي الأشياءَ بأسمائها.
فلماذا إذا وقفتِ أنتِ يا قلبُ، انهارت كلُّ خرائطي؟
القلب:
لأنّك تحسبُ الحياةَ مسألةً تُحلّ،
وأنا أعيشها نبضةً لا تُقاس.
أنتَ ترى العاصفةَ خطرًا يُحسب،
وأنا أرى فيها لحنًا لا يُفهم إلا إذا انكسرَ القارب.
أنا موضعُ السؤال الذي لا جوابَ له،
وأنتَ موضعُ الجوابِ الذي قتلَ السؤال.
الصمت:
…
العقل:
تتكلمُ الآن؟ أنتَ الذي لا صوتَ لك؟
أين حجّتك؟ أين برهانك؟
الصمت:
حجتي أنّكما لو سكتُّما لحظة،
لسمعتُما ما لم يقله لسانٌ ولا نبض.
أنا المكانُ الذي يلتقي فيه السيفُ بالوردة،
ويعترفُ القاسي بأنّه خافَ يومًا.
أنتم تصنعون الضجيج،
وأنا أصنعُ المعنى.
القلب:
يا صمت، كم مرةٍ خبأتَ دمعي عن عينيّ؟
وكم مرةٍ جعلتني أقولُ ما لا أجرؤ على قوله؟
العقل:
وكم مرةٍ جعلتَني أبدو أحمقًا حينَ أفسّرتُ ما لا يُفسَّر؟
أنا أخشى الفوضى، فأنتما تعيشان فيها كأنّها وطن.
الصمت:
ليست فوضى، بل بحر.
العقلُ سفينة، والقلبُ ريح،
وأنا الماءُ الذي يحملُ الاثنين أو يغرقهما.
إن تعاونتم، عبرتم.
وإن تخاصمتم، بقيتم تدورون في نفسِ الدائرة،
تسمّونها قدرًا وهي مجردُ عناد.
القلب:
فماذا تريد منّي؟
أن أكفَّ عن الحبّ كي لا أُجرح؟
العقل:
وماذا تريد منّي؟
أن أُطفئُ النورَ كي لا أرى الجرحَ قادمًا؟
الصمت:
أريدُ منكما أن تفهما:
القلبُ بلا عقلٍ يحترق،
والعقلُ بلا قلبٍ يتجمّد،
وأنا إن غبتُ، صارَ حواركما صراخًا لا يُفهم.
عيشوا معًا. اسمعوا بعضكم.
فالحياةُ ليست معركةً بينكم،
بل أغنيةٌ لا تُغنّى بصوتٍ واحد.
العقل:
إذن أسكتُ قليلًا… جرّب أنتَ يا قلب.
القلب:
وأنا أخفضُ صوتي… تكلّم أنتَ يا عقل.
الصمت:
وأنا هنا، أحرسُ المسافةَ بينكما،
حتى لا يتحوّل القربُ إلى اختناق،
والبعدُ إلى نسيان.
____أيّهم وجدتَ صوته أقرب إليك اليوم: العقل الذي يحلل، القلب الذي يشعر، أم الصمت الذي يزن؟