
(قصة) في زاويةٍ منسيةٍ من حديقةٍ وارفة الظلال، انزوى مأوى ضئيلٌ كأنه سرٌّ مكتوم، يرقب المدى بنافذةٍ وحيدةٍ منخفضة ومصب يمتدُّ كأنه يطارد الأرض. هناك في ذاك الملاذ البعيد عن ضجيج المدينة، استقرَّ المقام بفتىً ريفيٍّ، لفتت لوعةُ الشمسِ ملامحَه، بشعرٍ كليلٍ بهيم وقامةٍ لم تعطف عليها السنون بعد. جاء هذا الشاب من أقاصي القرى، يحمل في كفيّه الخشنتين دهشةَ الغريب، يصفقُ بهما على فراغٍ أحدثه الانتقالُ المباغت. قبل أن تبتسم له الأقدار بوظيفة “الحارس” – ذاك النعيم الذي غبطه عليه موظف البلدية – كان واحداً من تلك الأشباح التي تغزو الأرصفة والمواقف عند انبلاج الفجر؛ متلفعاً بالصبر واللثام، يرتدي قبعةً نال منها الغبار وقميصاً يحكي قصص العناء، شاربٌ متهدلٌ وشعرٌ شاكسه الريح. لقد استنفدت ورشُ البناءِ رحيقَ عافيته، حين كان ينوء بحمل الحجارة والرمل صاعداً سلالمَ حجريةً عارية، يفرغ مع رفاقِ الشقاءِ شاحناتِ التعب من اشراق الصباح حتى غسق المساء. حتى استبدَّ به الوهن، وأستسلم كاهله لسطوة الأوجاع، فباتت الدوخةُ رفيقاً ثقيلاً يراوده عند كل حركة؛ فلم يجد بُداً من النزوح نحو مهنةٍ أقل ضراوة، يلوذ بها من عواصف الإرهاق التي كادت تقتلع ريعان شبابه. في مملكته الخضراء، اعتزل العالم ليستقر بين شتلات الورود وظلال الأشجار التي جمعت بين عفوية الطبيعة وتنسيق البستاني ودهشة النبات الغريب . كانت حديقة عامة، تتصل بشريان المدينة الرئيس عبر زقاقٍ ضيق، كأنه برزخٌ يفصل بين ضجيج الحاضر وسكون الذات. هناك في وضح النهار، تضجُّ الحديقة بصخب الحياة؛ باعةٌ يطاردون أرزاقهم، وأطفالٌ يسرقون الفرح من المراجيح، وروادٌ يطلبون العلم في دهاليز المكتبة أو التاريخ في أروقة المتحف .لكنّ الحديقة عند المساء تولد من جديد؛ تغدو كائناً مختلفاً ما إن تنبثق الأنوار وتستضيف خطى العشاق، أو أماً تهدهد عربة صغيرها، أو نفراً من الشباب يقتاتون السهر. ورغم رتابة الأيام، كان يجد في تقليم الغصون وحرث التربة شغفاً يطرد السأم، فبقي مخلصاً لمقصه ومِقلعه ، يزرع البهجة في الممرات قبل أن يزرعها في القلوب. وعندما يفرغ من صلاته اليومية مع الأرض، يجلس مراقباً وجوه المارّة، يسترق السمع لوشوشات الحكايا، بينما يداعب وجهه نسيم المساء، فيعيد ذاكرته إلى قرية بعيدة، بلادٌ لم تعرف بياض الثلج يوماً، بل كانت تكتفي بغيث السماء ليملأ الآبار ويروي المشاع. منذ يومين، ندف الثلج كقطنٍ منثور، تساقط بشاعريةٍ ألقت السكينة في روعه. تراكم البياض فوق تيجان السياج الأخضر، وغطى أحواض الطين في مشهدٍ ساحر، لكنّ صقيع الهواء أجبره على البقاء خلف زجاج النافذة. كان يشتهي الخروج ليعصر بياض الثلج بين راحتيه ، ويترك قطراته تذوب في خطوط كفّه كعمرٍ يتسرب. بينما كان يجيل بصره في الأفق الضبابي، لمح طيفاً من وراء الزجاج المبلل. كانت فتاةً، قوامها كغصنٍ متمايل، تقف فوق مقعدٍ حجري بارد، تعبث أناملها بعريشة ياسمين تدلت بحياء. لم يستر جسدها سوى صوفٍ خفيف وحجابٍ لفّ جيدها، والسماء تنذر بفيضٍ من المطر والبرد. دون تفكير، اندفع نحوها حاملاً معطفه كأنه طوق نجاة. قدمه لها بقلبٍ مفتوح قبل اليدين، لاحظ أنها تضاهيه طولاً رغم نحافةٍ رسمت ملامحها. ارتدت المعطف بصمت، طوقته حول خصرها، وتفتق الورد في خدّيها خجلاً. وهي تهمس بكلمة “شكراً”، بينما كفت يداها عن مشاكسة الياسمين. وفي صبيحة اليوم التالي، طرقت الباب يدٌ صغيرة، ليفاجأ بوجهٍ طفولي مستدير؛ كان أخاها الصغير. سلّمه المعطف في صمتٍ بليغ، وقبل أن ينطق بكلمة، ولى مدبراً يركض نحو الشارع الرئيسي، تاركاً خلفه رائحة الوفاء ودفء اللقاء العابر. تبددت حجب المطر.، وكفكفت السماء عبراتها بمناديل الغيم الأبيض. هناك، استعاد معطفه الذي لم يعد مجرد ثوب ، بل غلافاً لذاكرة دافئة؛ فقد كان قبل سويعات يطوق جسد أنثى، ينسحبُ بدلالٍ على كتفين مرمرين لم يَعرف الرعشة مثلهما.طوال الليل، سكنتهُ وظلَّ يقتفي أثرها في أروقة فكره، حتى حين أغفى جفنه قبيل الفجر، لم تتركه الأطياف وشأنه. رأى في منامه أصابعها وهي تودع زهر الياسمين، موليةً ظهرها للأشجار والنافورة التي كانت تئنُّ بخريرها في المدى، والسماءُ حينها كانت صحواً. وفجأة، استحال أمان العريشة إلى أفعى برأسٍ أصفر يتربص بها، فتعالى صراخه وهو حبيسٌ خلف زجاج الفراغ. حاول سحب المزلاج فاستعصى، بحث عن المفتاح في تيه الدوار الذي أصابه.. حتى استيقظ بقلبٍ يرتجف. تلمّس المعطف، فاستنشق فيه بقايا عطرٍ ودفءٍ ظنه للوهلة الأولى منها، قبل أن يتذكر أنه وضعه فوق المدفأة. لم يكن ذلك المعطف الخشن بتفاصيله الرجالية يليق برقة حوريته، لكنها، على أية حال، قد أودعت سحرها بين خيوطه. راح يقلبه بين يديه، يدس أنفه في طوقه ، ويغرس كفيه في جيوبه، معانقاً حواشيه وأزراره كمن يعانق طيفاً غائباً، وغرق في ذهوله حتى أيقظته ضجة العالم في الخارج. منذ تلك اللحظة، صارت العريشة محرابه المقدس. تفقدها بعين المحب، قلم أطرافها الذابلة، وسقاها بفيض اهتمامه كل مساء. كان يغار عليها من النظرات، وهي التي تتدلى فوق السياج بزهوٍ ودلال، ضاربة جذورها في حوضٍ حجري يشبه الكأس. ومع مرور الأيام، أزهر بياضها حتى صارت فتنةً للناظرين وعلامةً للدهشة.وفي كل مساءٍ ممطر، كان يتسمرُ خلف النافذة كمسحور، يرقب فتاته التي تأبى المجيء. كانت تخطر في باله كغصنِ يتهادى، يشعر معها بأن ثمة خفقةٌ حبيسة تحت أضلاعه، تشبه ارتعاش الطير في قبضة الكف، يتوق لمسةً من أصابعها ليتحرر ويحلق في المدى. تبلل الوشاح، وذاب الكحلُ على الوجنتين.. لكن الطائرلم يطر. ظل وحيداً، متربصاً في مخبئه، ينتظر كلمةً أخيرة من شفتيها القانيتين.. كلمة واحدة، أو ربما دويّ رصاصةٍ أخرى، لينتفض ذلك الطائر من غياهب الأدغال ويحلق بعيداً.