
تستدعي المشاهد اليومية أمام مكاتب البريد ومنافذ الصرف في مصر أكثر من مجرد التعاطف؛ إنها تكشف عن عمق المأساة التي يعيشها نحو 11 مليون مواطن من أصحاب المعاشات. هؤلاء المتقاعدون، الذين قضوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن، يعولون اليوم ما لا يقل عن 35 مليون مواطن ضمن أسرهم. ومع ذلك، يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع طحن الغلاء المتصاعد وسلسلة من السياسات الحكومية التي يرى كثيرون أنها تعكس إهمالاً متعمدًا وغيابًا تامًا لروح العدالة الاجتماعية، حيث تتجه الأنظار والمزايا دائمًا نحو طبقة الأغنياء والمستثمرين، بينما يُترك البسطاء يصارعون من أجل البقاء.
معركة البقاء: معاشات لا تكفي تمن روشتة دواء
الواقع الحالي لم يعد يحتمل التجميل حجة الموازنات أو وعود الجدولة الطويلة.
فالحد الأدنى الحالي للمعاشات، والذي يدور حول 1755 جنيهاً، تحول إلى رقم رمزي فاقد لأي قيمة شرائية حقيقية أمام القفزات الفجائية في أسعار الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
الزيادات السنوية المحكومة بسقف 15% تلتهمها موجات التضخم والتعويم المتتالية حتى قبل أن تصرف.
تخيل مواطناً أمضى أربعة عقود في العمل، ليجد نفسه في نهاية المطاف عاجزاً عن سداد فاتورة كهرباء أو شراء شريط دواء لمرض مزمن، ناهيك عن الوفاء بالتزامات أسرته.
هذا التدهور القاسي في نمط الحياة يمثل مساساً مباشراً بكرامة المواطن المسن، ويحيل سنوات التقاعد -التي ينبغي أن تكون مكافأة للاستقرار- إلى عقوبة مادية وإنسانية قاسية.
تفاصيل الأزمة: جباية إجبارية بقرارات سيادية
المفارقة الصادمة تكمن في أن صناديق التأمينات تمتلك اليوم أصولاً وفوائض استثمارية ضخمة تبلغ نحو 732 مليار جنيه، وحققت عوائد سنوية بلغت 123 مليار جنيه بمعدل عائد يقارب 18.5%. ولكن، أين تذهب هذه المليارات؟
الإجابة تصطدم مباشرة بالمادة 77 من قانون المعاشات الجديد (رقم 148 لسنة 2019)، والتي تجبر هيئة التأمينات على استثمار نسبة لا تقل عن 75% من أموالها في شراء أذون وسندات الخزانة العامة للدولة.
الحكومة هنا لا تتصرف كراعية لأموال المتقاعدين، بل كجهة “تفرض الجباية” على هذه الصناديق لسد عجز موازنتها وتمويل مشاريعها، مانحة إياها عائداً حقيقياً بالسالب عند اقتطاع معدلات التضخم الحالية.
هذا الإلزام التشريعي يعيد إنتاج الأزمة القديمة بأدوات جديدة، ويحرم أموال المعاشات من التحول إلى أصول إنتاجية حرة تعود بالنفع المباشر على أصحابها.
محطات تاريخية: إصرار على حبس الأموال وحرمان المواطن
هذا النهج الحكومي في التعامل مع المعاشات باعتبارها “حصالة سهلة” ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لسياسات تاريخية متجذرة. والتاريخ يذكر المبادرة الجريئة التي تقدمت بها الدكتورة ميرفت التلاوي في مطلع الألفية، عندما طالبت بالاستحواذ على الشركة المصرية للاتصالات وأصول كبرى رابحة لتعويض مديونية المعاشات التي بلغت وقتها 450 مليار جنيه (في زمن ما قبل التعويم حين كان للمبلغ قوة شرائية مرعبة).
لكن الرفض القاطع من الحكومة ووزير المالية آنذاك، يوسف بطرس غالي، شكل مؤشراً مبكراً على غياب الإرادة السياسية في حماية كرامة كبار السن.
فضلت الحكومة الاحتفاظ بـ “الدجاجة التي تبيض ذهباً” لإنعاش خزائنها وتسهيل خطط الخصخصة، ومنحت المتقاعدين صكوكاً ورقية تآكلت قيمتها تماماً. واليوم، تقفز الأرباح المجمعة للشركة المصرية للاتصالات (WE) بنسبة 123% لتسجل 22.6 مليار جنيه في عام واحد، وهو ما يثبت عملياً كم كانت تلك الرؤية صائبة، وكم كان الرفض الحكومي مجحفاً بحق ملايين الأسر.
انحياز واضح: تدليل الأغنياء وتجاهل الأكثرية
في الوقت الذي تتبنى فيه الحكومة سياسات تقشفية صارمة تجاه أموال المعاشات وتضع شروطاً تعجيزية للمعاش المبكر، يرى الشارع انحيازاً واضحاً وصريحاً نحو طبقة الأغنياء والمستثمرين الكبار. تُمنح التسهيلات الضريبية، وتُذلل العقبات أمام الشركات الكبرى، وتُضخ المليارات في مشاريع عمرانية فاخرة وطرق لا تخدم سوى القادرين.
هذا التناقض الصارخ يعزز الشعور بالاغتراب والظلم الاجتماعي؛ فكيف لدولة تملك المرونة لمنح الإعفاءات الكبرى وتدبير السيولة للمشاريع الاستثمارية الضخمة، أن تقف عاجزة وبيروقراطية أمام حماية 11 مليون مواطن يمثلون العمود الفقري للاستقرار المجتمعي؟
النفضة المطلوبة: حلول جذرية لا تقبل المسكنات
إن إنقاذ منظومة المعاشات في مصر وإعادة الكرامة للمتقاعدين يتطلب “نفضة قوية” وقرارات استثنائية فورية تتجاوز الحسابات الاكتوارية الضيقة:
* تعديل تشريعي فوري:
إلغاء النسبة الإلزامية (75%) المفروضة لشراء أدوات الدين الحكومي، وتحرير هذه المليارات لضخها في قطاعات إنتاجية وعقارية رابحة.
* ربط المعاش بمؤشر التضخم الفعلي:
رفع الحد الأدنى للمعاشات فوراً ليتواكب مع الاحتياجات الإنسانية الأساسية، مع إقرار زيادات مرنة تتغير تلقائياً مع حدوث أي قفزة في الأسعار أو تعديل في أسعار الصرف.
* تفعيل المقترحات النيابية:
الاستجابة الفورية لمشروعات القوانين المطروحة بالبرلمان، مثل رفع سقف الزيادة السنوية إلى 20%، وإلزام الهيئة بصرف منح دورية في الأعياد والمناسبات من واقع أرباح الصندوق المستقل، وتخفيف الشروط المجحفة للمعاش المبكر.
إن كرامة كبار السن ليست مجالاً للمساومة، وحماية كرامة ملايين الأسر المصرية يجب أن تتقدم على أي حسابات رقمية للموازنة العامة. لقد آن الأوان لتتوقف الحكومة عن النظر إلى المعاشات كأداة مالية تابعة، والبدء في التعامل معها كحق إنساني أصيل لأجيال أفنت عمرها في بناء هذا الوطن.