
بصفتي متخصصًا وباحثًا في مجال التغذية العلاجية، ومرض السكر والسمنة ومضاعفاته على أمراض القلب لمدة تفوق عن الأربعين سنة، اخترت الإجابة العلمية الواضحة والبسيطة عن بعض الأسئلة المهمة التي قد تراود ذهن الكثيرين منا، موضحًا لكم آخر ما توصل إليه العلم الحديث بناءً على أبحاث جادة، وموثقة، ومنشورة عالميًّا.
١- هل اللحوم ضارة؟
يجب الإقلال من تناول اللحوم الحمراء، بحيث تكون مرة أو مرتين على الأكثر أسبوعيًا؛ فلقد أثبتت الأبحاث أن للحوم الحمراء ثلاثة أضرار، الأول يكمن في دهنها المشبع والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمراض القلب، وهذا الدهن خاصة في اللحم الضاني وغيره من اللحوم الدهنية يرفع الكوليسترول الضار، ويخفض الكوليسترول المفيد. الثاني هو احتواؤها على حديد الهيم heme iron الذي يزيد من مقاومة الجسم للإنسولين، وهو مرتبط بمرض السكر من النوع الثاني. الثالث هو وجود ارتباط وثيق بين زيادة استهلاك اللحوم وفرصة حدوث سرطان القولون.
ولا فارق في البروتين بين لحم البقر والماعز والجمل والطيور كالدجاج والبط والحمام، فجميع البروتينات فيهم تهضمها عصارة المعدة القوية وانزيمات الاثني عشر وتحولها الى نفس الأحماض الامينية قبل الامتصاص مهما كان المصدر، والاختلاف بيهم في كمية كل حمض من الاحماض الأمينية. كما أن الدواجن والحيوانات المعدلة وراثيًا أو منتخبة عن طريق التهجين تعطي نفس الأحماض الامينية بعد الهضم ولا ضرر منها، ولا صحة أن الهرمونات فيها تصل الى جسم الانسان عند تناولها، فكلها تهضم وتتحول الى احماض أمينية أو دهنية قبل الامتصاص.
٢- هل الفول ضار؟
الفول من أفضل الأطمعة التي منحها الله لنا على الإطلاق، فهو يحتوي على بروتين نباتي يفيد عضلات الجسم التي تتناقص مع الزمن، كما أنه يحتوي على كمية عالية من الألياف التي تفيد الجهاز الهضمي، وتبطئ سرعة امتصاص السكر، فيتحسن سكر الدم، وتقلل من فرص حدوث سرطان القولون وتمنع الامساك. وعند إضافة زيت الزيتون والخضراوات والليمون إليه تكتمل فائدته. كذلك العدس- وباقي البقوليات الجافة- يحتوي على نسبة عالية من البروتين النباتي المهم، والألياف المفيدة، مضافًا للفيتامينات والاملاح المعدنية اللازمة لجميع العمليات الحيوية في الجسم.
بعض الاشخاص -وعددهم قليل جداً- عندهم نوع من الانيميا عند تناول الفول لنقص انزيم معين لديهم، وهو مرض وراثي، ويمكن بسهولة تشخيص هذا المرض، وعلاجه منع تناول الفول.
٣- هل الخضراوات والفواكه ضارة؟
الخضراوات والفواكه تحتويان على كمية عالية من الڤيتامينات والأملاح التي يحتاج إليها الجسم لجميع عملياته الحيوية. كذلك تمدان الجسم بمادة الإنيسوتول Inisitol التي تساعد العضلات على الاستفادة من طاقة الجلوكوز. وتحتويان على كمية عالية من الألياف التي تفيد حركة القولون، وتمنع الإمساك، كما أن الفواكه تحتوي على ألياف قابلة للذوبان تخفض من مستوى الكوليسترول في الدم. والسكر الموجود في الفواكه هو الفركتوز، وهو سكر عالي التحلية رغم انخفاض معدل سكريته (٢٠٪)؛ لذا فإن تأثيره في سكر الدم أقل بكثير من السكر العادي الذي يصل معادل سكريته إلى ١٠٠٪، فيزيد معه سكر الدم. كما أن الفواكه القاتمة اللون تحتوى على نسبة عالية من البوليفينول polyphenol المضاد للأكسدة؛ مما يطيل عمر خلايا الجسم، ويحسن وظائفها.
بعض الاشخاص عندهم التهاب في القولون نتيجة للاصابة بالأميبا المزمنة chronic amoebiasis، وهم تقريبًا ١٠٪ من المصريين، ويزيد لديهم الانتفاخ في القولون عند تناول الألياف، وهو مرض يسهل تشخيصه بفحص البراز وينصح فيه بالاقلال من الألياف.
٤- هل كل النشويات ضارة بالجسم؟
أكثر النشويات ضررًا للجسم على الإطلاق هو السكر؛ فلقد أثبتت الأبحاث أن استهلاك السكر بما يزيد على ٥٠ جرامًا يوميًا، أو ١٠٪ من السعرات الحرارية، يزيد الوزن، ويرفع نسبة الجلسريدات الثلاثية الضارة، ونسبة السكر في الدم عند مرضى السكر، ويزيد من فرص الإصابة بجلطات القلب. ويكفي أن تعرف أن علبة واحدة من المشروبات الغازية تحتوي على ٩ ملاعق سكر، أي ٣٦ جرام سكر. والسكر سعرات خاوية، بدون قيمة غذائية. أما سكر فركتوز الذرة، الذي تحلى به جميع الحلويات، والنوتيلا، والمعجنات، ومعظم أطعمة الأرفف في المتاجر، فهو مادة ضارة جدًّا، حيث تزيد ترسبات الدهون في الكبد، وتؤدي إلى زيادة الوزن، ويحاول الكبد دائمًا التخلص من سميتها حال تناولها. كذلك فإن الأرز والبطاطس من أكثر الأطعمة تأثيرًا في ارتفاع نسبة السكر في الدم، فضررهما كبير على مريض السكر، وينصح بالإقلال الشديد منهما عند مرضى السكر والسمنة. منتجات الدقيق الأبيض كذلك ترفع بشدة سكر الدم، وتزيد الوزن؛ لذا يجب الإقلال منها أيضًا عند مرضى السكر والسمنة. أما النشويات من الخضراوات، والفواكه، والبقوليات، ومنتجات الألبان، فليس منها ضرر.
بعض الاشخاص ونسبتهم حوالي ١٥-٢٠٪ من البشر لديهم حساسية متوسطة او شديدة لبروتينات الجلوتين والجليادين الموجودة في منتجات القمح والشعير، وهؤلاء يصابون باضطرابات في الأمعاء، وربما تعب في العضلات والارهاق وبعض الأعراض الأخرى عند تناولهم منتجات القمح والشعير (المصنعة من دقيق القمح والشعير)، ويمكن التأكد من ذلك بتحليل في الدم للاجسام المناعية للجلوتين او تحليل عينة من جدار القولون، ويتحسن هؤلاء بعد الامتناع عن منتجات القمح والشعير.
٥- هل منتجات الألبان والبيض ضارة؟
أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن منتجات الألبان مفيدة للجسم، وتقلل من نسبة الإصابة بمرض السكر من النوع الثاني، وأمراض القلب، وخاصة الألبان المخمرة، كالزبادي واللبن الرايب. كما أنها تحسن من حركة الجهاز الهضمي العلوي وسلامته؛ لاحتوائها على بكتريا اللاكتوباسيلس lactobacilus المفيدة. ولقد أثبتت أبحاثنا الحديثة أنه لا ضرر من دهون الألبان على كوليسترول الدم أو السكر، باستثناء احتوائها على سعرات عالية ككل الدهون، فالإفراط منها يزيد معدل السمنة. والبيض يحتوى على أفضل أنواع البروتين التي يحتاج إليها الجسم وهو الالبومين Albumin، ورغم احتواء صفار البيض على نسبة عالية من الكوليسترول فإن امتصاصه قليل من الأمعاء؛ لذا ينصح ببيضة أو اثنتين يوميًّا. لا يوجد أى ارتباط بين تناول البيض وأى مرض عضوي والامتناع عن تناول البيض يحرم الجسم من البروتينات عالية الجودة التي تحتوي على الاحماض الامينية الهامة essential amino acids التي تدخل في تركيب معظم انزيمات وهورمونات الجسم الهامة.
بعض الاشخاص عندهم نقص في انزيم هضم سكر اللبن المسمى باالاكتوز lactose ويشعرون بالانتفاخ مع تناول منتجات الألبان. وتشخيص هذه الحالات سهل ويمكنهم تناول منتجات البان خالية من اللاكتوز او تناول انزيم هضم اللبن المسمى لاكتاز lactase عند تناول منتجات الألبان.
٦- هل شرب الماء ضار؟
أفضل ما يمكن أن يقوم به الإنسان هو شرب الماء، فثلاثة أرباع وزن الجسم من الماء، وخفض شرب الماء قد يضر بالكليتين، وربما يؤدي إلى فشلهما الحاد في حالة الجفاف، أو يزيد ترسيب الأملاح فيهما، وتكوين الحصوات، كذلك يفيد الماء جميع العمليات الحيوية في الجسم، وينشطها، ويضبط أملاح الجسم وعصاراته الهضمية، ويحتاج الجسم- على الأقل- من ٦ إلى ٨ أكواب كبيرة من الماء يوميًا، ويفضل تناول الماء قبل الأكل، أو بين الوجبات.
٧- هل يستفيد بعض الأشخاص من الإقلال أو منع بعض الأطعمة الصحية التي ذكرتها؟ ولماذا؟
نعم يستفيد البعض الأشخاص- وهم نسبة ضئيلة- لأنهم مصابين بالحساسية لبعض أنواع الغذاء، فكما ذكرت، مرضى اضطراب الجهاز الهضمي المصابون بالحساسية للجلوتين والجليادين الموجود في القمح والشعير، تتحسن حالتهم جدًّا بعد منع منتجات القمح والشعير كالخبز والمعجنات والفطائر والمكرونة، وهذا المرض يمكن الكشف عليه بسهولة عن طريق تحليل بسيط بالدم، أو فحص عينة من جدار القولون. بعض الأشخاص المصابين باضطرابات الجهاز الهضمي نتيجة لنقص إفراز إنزيم هضم منتجات الألبان المسمى باللاكتاز lactase يستفيدون من منع منتجات الألبان، أو يتحسنون بتناول إنزيم اللاكتيز عند تناول منتجات الألبان. كذلك بعض المرضى المصابين بمرض نقص إنزيم G-6PD الوراثي يصابون بأنيميا تحلل كرات الدم الحمراء hemolytic anemia عند تناول الفول. ولكن كل هذه الحالات محدودة جدًّا، ويمكن الكشف عليها وتشخيصها بسهولة من متخصص في أمراض الجهاز الهضمي وأمراض الدم، ويمكن علاجها، وتبدو الأمور لغير الخبير في علوم التغذية أن هذه الأطعمة ضارة للجميع ويجب منعها، وهو قول غير صحيح بالمرة، وقد يؤدي- على المدى الطويل- إلى سوء تغذية شديد لا تحمد عقباه.
٨- هل كل ما يسهل هضمه مفيد، وكل ما يصعب هضمه ضار؟
البروتينات والدهون صعبة الهضم، ولكنها تحتوي على أحماض أمينية ودهنية مهمة Essential amino acids and Essential fatty acids، وهي مهمة لأن الجسم لا يستطيع تكوينها من تلقاء نفسه، ولا تأتي إلا بالغذاء، كذلك مهمة لأنها تدخل في تكوين جميع هرمونات الجسم وإنزيماته حتى تعمل وظائف الأعضاء بكفاءة. والامتناع التام عنها يشكل خطرًا داهمًا على الجسم، في حين أن النشويات العالية معدل السكرية، كالسكر، والأرز، والبطاطس، ودقيق القمح، سهلة وسريعة الهضم، ولكن ضررها بالغ على مستوى السكر في الدم، وعلى زيادة معدل السمنة. كما أن الجسم قادر على تكوينها إذا قلل الشخص من تناولها.
٩- هل يمكن الشفاء من مرض السكر من النوع الأول عن طريق التغذية؟
على عكس النوع الثاني للسكر والذي يستفيد جدًا من خفض الوزن، والصيام المتقطع، وخفض النشويات عالية السكرية في الأكل كالسكر والارز والبطاطس والذرة ومنتجات دقيق القمح، فإن النوع الأول للسكر ينتج من تدمير خلايا البنكرياس بالكامل من الجهاز المناعي للجسم. ولم يثبت حتى الآن أنه يمكن عودة هذه الخلايا للعمل مرة ثانية عن طريق تعديل اسلوب الغذاء، ولم يثبت أيضًا أن الجسم يمكنه تكوين هذه الخلايا التي تفرز الانسولين مرة ثانية بأى طريقة كانت؛ سواءًا غذائية أو دوائية، لذا فإن علاج هذه الحالات هو فقط عن طريق الانسولين. يمكن للتغذية السليمة وخاصة خفض النشويات -السابق ذكرها-تحسين نسبة السكر في الدم، ولكن مع ضرورة استمرار العلاج بالانسولين، لأن توقفه، ولو ليوم واحد، قد يعرض المريض للتسمم الكيتوني، والذي قد يؤدي -لا قدر الله- للوفاه. وتناول هؤلاء الاشخاص للسكر، والمربى، والعسل، يرفع مستوى السكر بالدم لأرقام عالية، قد تؤدي الى خطر داهم على صحتهم.
١٠- ماذا عن استخدام الآيات القرآنية والأحاديث لمنع تناول بعض الأطعمة؟
هذا قول حق يراد به باطل. وهي وسيلة شائعة يستخدمها الآن الكثيرون من مدعي العلم لإقناع العامة في مصر بآرائهم الشاذة بعد تغييرهم- عمدًا- للمعنى القرآني الذي قصده الله عز وجل، أو ربما لعدم فهمه أو إدراكه. فالله تعالي يقول “كُل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه”. وبالطبع نفهم من ذلك أن الله أحل كل الأطعمة، وأن يعقوب- عليه السلام- حرم بعض الأطعمة على نفسه لأنها كانت تضره شخصيًّا. والقرآن يحرم فقط لحم الخنزير، والميتة، والدم، والخمر، ولقد أثبت العلم ضررها جميعًا. والقرآن ينصح بالزيتون وزيته، والعسل الأبيض، ولهما فائدة علمية مثبتة، أما الفاكهة فهي من أشجار الجنة الطيبة، فكيف نمنعها على الأرض؟ والرسول الكريم نصح بالصيام “صوموا تصحوا”، وأثبت العلم فائدة الصيام، وقال- صلى الله عليه وسلم- “يكفي ابن آدم لقيمات يقمن صلبه”، وهي دعوة جميلة إلى الاقتصاد في تناول الطعام. إن استخدام القرآن لغير غرضه، وبأسلوب خبيث، هو تحايل واضح لا جدوى منه.
يبقى أن أقول أن الصيام محدد المدة مثل صيام رمضان، والصيام المتقطع مفيدان جدًا للجسم ويساعد في التخلص من الدهون المتراكمة بالكبد. أما أخطر أنواع الصيام هو الصيام الانتقائي، وهو أن تخفض بشدة كمية الأكل وتمنع العديد من النوعيات كالخضراوت والفواكه والألبان وتقلل أو تمنع شرب الماء، لأنه يصيب الشخص بالهزال وسوء التغذية وفقد العضلات والنقص الشديد في الفيتامينات والاملاح المعدنية الهامة وقد يؤدي لا قدر الله للوفاة.
هذه الإجابات هي رأي العلم الحديث الناتج من آلاف الأبحاث العلمية الجادة، والتي تكلفت مليارات الدولارات من أجل الوصول إلى صحة جيدة للإنسان، بعيدًا عن الأمراض المزمنة. لذا ارجو من الجهات المعنية مثل وزارة الصحة، والنقابات الطبية، والمؤسسات والهيئات الطبية أن تتحد معًا وتكون درعًا واقيًا للمواطن المصري، وتأخذ كل التدابير اللازمة لمجابهة الجهل الطبي الذي أصبح منتشرًا عبر المنصات الرقمية. فهذا -من وجهة نظري- دور الوطن في المحافظة على حياة المواطنين من لغط بعض الأشخاص وغيرهم؛ الذين ينشرون بلا وعي مغالطات علمية ربما قد تودي بالمريض الي التهلكه.
كما أنها تشكل تهديدًا واضحًا للمجتمع، والأمن القومي. اللهم قد بلّغت بما علمني الله.
مقالاتي ولقاءاتي الأخرى التي حاولت فيها أن أرد على العلم الزائف والخرافة بالعلم الحقيقي على مدار عامين.
١- هذا مقالي في ٢٠٢٣ للتنبيه من خطورة هذه الخرافات في مهدها
https://www.facebook.com/share/1GqqdbPT6P/?mibextid=wwXIfr
٢- ردودي في ٢٠٢٣ على كل الادعاءات الخاطئة في التغذية، واعدت نشره في ٢٠٢٤
https://www.facebook.com/share/18eoNcnNFk/?mibextid=wwXIfr
٣- حواري المطول مع الاعلامي الاستاذ ياسر حسن، وقد سبق له الترويج للنظريات الغذائية الغير علمية
٤- مقالي عن الفرق بين العلم الحقيقي والعلم الزائف والخرافة في مجال التغذية
https://www.facebook.com/share/p/17nj8Usa5b/?mibextid=wwXIfr
٥- مقالي في الرد على الخرافات في مجال التغذية
https://www.facebook.com/share/p/1bNd6RQC8b/?mibextid=wwXIfr
٦- مقالي عن التغذية العلاجية السليمة وكيف يستفيد المصريون منها
https://www.facebook.com/share/p/1BEkidexcN/?mibextid=wwXIfr
٧- مقالي تحت عنوان “شجعوه بدلا من أن يحذروه” وشاهده ما يقرب من ٢ مليون شخص
https://www.facebook.com/share/p/17ZkV7oahw/?mibextid=wwXIfr
٨- مقالي تحت عنوان “حتى لا تكرروا ما فعله نفسه”
https://www.facebook.com/share/p/1NhumYLLZk/?mibextid=wwXIfr
٩- حواري الأخير مع الاستاذ حمدي رزق للرد على كل التساؤلات عن التغذية السليمة