رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : ترامب عاد مصاباً بمتلازمة الصين !! لقاء موسكو وبكين كش ملك لواشنطن !!

ترامب عاد مصابًا بمتلازمة الصين! لقاء موسكو وبكين كش ملك لواشنطن !!

ميخائيل عوض  / لبنان 

*من بكين عاد ترامب أقل صخبًا… وأكثر اعترافًا بالهزيمة*

لم يعد ترامب من بكين كما ذهب إليها.
الرجل الذي اعتاد مخاطبة العالم بلهجة الإمبراطور العائد من الحروب، عاد هذه المرة بلغة مختلفة، أقل تهديدًا، أقل غرورًا، وأكثر اضطرارًا لتبرير العجز الأمريكي المتراكم.

ترامب أصيب بمتلازمة الصين.
لم تكن زيارة ترامب إلى الصين مجرد محطة دبلوماسية أو محاولة لترميم العلاقات الاقتصادية أو فرض الشروط، بل كانت لحظة اصطدام مباشر بين عقل الإمبراطورية الأمريكية المتوحشة وبين حقيقة أن مركز الثقل العالمي انتقل شرقًا بالفعل، لا نظريًا ولا مستقبلًا.

الصين لم تستقبل رئيس أمريكا بوصفه قائد العالم، بل بوصفه رئيس قوة مأزومة تحاول منع انهيارها الكبير. ولهذا عاد ترامب بلا أرقام، بلا انتصارات، بلا “صفقات تاريخية”، وبلا استعراضات من تلك التي كان يملأ بها الإعلام بعد كل زيارة خارجية.

في السابق كان يخرج متفاخرًا:
“جلبت تريليونات من الخليج”، “انتزعت المليارات من اليابان”، “أخضعت الحلفاء”.
أما بعد بكين، فلم يستطع إعلان أي إنجاز حقيقي. اكتفى بكلام عام عن “تفاهمات” و”اتفاقات”، فيما كانت الصورة الحقيقية تقول شيئًا آخر:
أمريكا ذهبت إلى الصين لتطلب التهدئة لا لفرض الشروط.

*روبرت كاجان يعترف: أمريكا دخلت طور الأفول التاريخي*

فما كتبه المؤرخ الأمريكي الشهير روبرت كاجان، أحد أبرز منظّري المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، والذي تحدث بلغة غير مسبوقة عن التراجع الأمريكي.

بالنسبة لكاجان، فإن واشنطن استطاعت بعد كل هزيمة تاريخية أن ترمم صورتها وتعود إلى موقع القيادة:
بعد بيرل هاربور، بعد فيتنام، بعد أزمات الحرب الباردة.
لكن هذه المرة مختلفة جذريًا.

الهزائم تراكمت من العراق إلى أفغانستان، ثم جاءت الحرب الكبرى الأخيرة في المنطقة لتكشف حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية معًا. وهنا  إن أخطر ما في اعترافات النخبة الأمريكية ليس الإقرار بالفشل العسكري فقط، بل الاعتراف بأن أمريكا فقدت “الهيبة المؤسسة للنظام العالمي”.

أي أن العالم لم يعد يخافها كما كان، ولم يعد يثق بقدرتها على الحسم أو الردع أو حماية حلفائها.

وهنا تصبح الهزيمة أخطر من خسارة حرب؛ تصبح بداية انهيار منظومة كاملة حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

*الحرب الوجودية… نهاية مشروع وبداية مشروع*

إن ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية في غزة أو لبنان أو البحر الأحمر أو إيران، بل حرب وجودية فاصلة بين مشروعين:

مشروع الهيمنة الغربية القائم على الاحتلال والنهب والسيطرة وإبادة الشعوب.

ومشروع التحرر التاريخي لشعوب المنطقة وقوى الشرق الصاعدة.

لهذا نعتبر أن الحرب الحالية ليست حدثًا عابرًا، بل “المخاض الدموي” الذي يسبق ولادة نظام عالمي جديد.

في هذا المخاض، تتراجع الإمبراطورية الأمريكية تحت وطأة التوحش المفرط، كما حدث لكل الإمبراطوريات التي سبقتها تاريخيًا. فحين تفقد الإمبراطورية عقلها وتتحول إلى آلة قمع عارية، تبدأ لحظة الشيخوخة والانهيار.

ومن هنا الربط  بين السلوك الأمريكي الهستيري وبين مؤشرات التفكك الداخلي وفقدان السيطرة على العالم.

*لماذا تغيّر خطاب ترامب فجأة؟*

إن  التحول في خطاب ترامب بوصفه انعكاسًا مباشرًا لإدراك أمريكي داخلي بأن زمن التفرد انتهى.

الرجل الذي كان يهين الحلفاء علنًا، ويسخر من السعودية والكويت وحتى أوروبا، بات يتحدث بلغة “الاستجابة لطلبات الحلفاء” و”تأجيل العمليات العسكرية احترامًا لرغبات الخليج”.

هذه ليست دبلوماسية، بل علامة ضعف.

فالإمبراطور الحقيقي لا يبرر تراجعه، ولا يعلن أنه تراجع لأن الآخرين طلبوا منه ذلك.
أما حين تبدأ القوة العظمى بتسويق الانسحاب على أنه “استجابة لرغبات الأصدقاء”، فهذه إشارة إلى أزمة عميقة في القدرة والهيبة والقرار.
هذا المشهد بـ”البلطجي الذي يصرخ عاليًا كي يخفي خوفه من الاشتباك الحقيقي”.

*مضيق هرمز… اللحظة التي سقط فيها الردع الأمريكي*

واحدة من أخطر النقاط التي يتوقف عندها وهذا ما نعتبره سقوطًا فعليًا للهيمنة الأمريكية في الخليج.

فإيران، وفق الرؤية ، استطاعت فرض معادلة جديدة في مضيق هرمز، وأجبرت واشنطن على التراجع عن استراتيجية الحصار الكامل.

الصين أرسلت سفنها.
باكستان أرسلت سفنها.
الهند تتجه إلى كسر العقوبات.
أوروبا نفسها بدأت تفاوض روسيا لزيادة واردات الطاقة.

أي أن العالم بدأ يتصرف خارج الإرادة الأمريكية.

وهنا نرى أن أخطر ما حدث ليس التحدي العسكري، بل انهيار قدرة واشنطن على فرض الطاعة الاقتصادية العالمية.

العقوبات التي كانت سلاح أمريكا الأخطر فقدت فعاليتها، لأن الشرق بدأ يبني شبكاته الخاصة، وأسواقه الخاصة، وتحالفاته الخاصة خارج وهم الأوراق الخضراء.

*لقاء بوتين وشي… ولادة غرفة قيادة العالم الجديد*

في قلب القراءة  الحدث الأهم: لقاء فلاديمير بوتين وشي جين بينغ.

برأينا ، زيارة بوتين إلى بكين أهم بمئات المرات من زيارة ترامب نفسها، لأنها ليست زيارة علاقات عامة، بل اجتماع تأسيسي لرسم خرائط العالم المقبل.

منذ سنوات، تبني موسكو وبكين شراكة استراتيجية عميقة تقوم على تقييم سنوي لما أُنجز، وعلى تطوير رؤية مشتركة لإدارة العالم بعد انحسار الغرب.

إن اللقاء المزمع جاء لوضع “المخططات التنفيذية” للعالم الجديد:
– كيف ستُدار أوروبا؟
– كيف ستُعاد صياغة آسيا؟
– ماذا عن إفريقيا؟
– وكيف سيُعاد تشكيل الشرق الأوسط بعد سقوط الهيمنة الغربية؟

هنا تصبح أوراسيا، لا واشنطن، مركز القرار العالمي.

*الخليج يغيّر تموضعه… والخوف من الخيانة الأمريكية يتصاعد*

إن التحركات الخليجية الأخيرة ليست تفصيلًا، بل جزء من إدراك عميق بأن واشنطن لم تعد ضامنًا للأمن.

فالدول الخليجية ـ بحسب التحليل ـ بدأت تقتنع بأن أمريكا وإسرائيل تستغلانها ماليًا وسياسيًا دون تقديم حماية حقيقية، وأن لحظة التخلي قد تأتي في أي وقت.

ومن هنا يفسر التحول عبر: الانفتاح على إيران، الحديث عن قوات باكستانية في السعودية،
الحضور العسكري المصري في الإمارات، وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية.

كل ذلك يعكس بداية تشكل منظومة أمن إقليمي جديدة تقوم على تفاهمات داخل المنطقة بدل الاعتماد المطلق على الغرب.

*هل انتهت الحرب؟
الأخطر قد يبدأ الآن*

رغم كل مؤشرات التراجع الأمريكي، يحذر عوض من اعتبار أن الحرب انتهت.

فالمرحلة الحالية قد تكون أخطر، لأن الإمبراطوريات حين تشعر بالأفول تصبح أكثر تهورًا، وأكثر استعدادًا لارتكاب الحماقات الكبرى.

لذلك يتوقع استمرار فتح الجبهات وتوسع الاشتباكات وتحوّل المنطقة إلى ساحة إعادة تشكيل تاريخية، خصوصًا مع انتقال المواجهة إلى الضفة الغربية وتصاعد التسلح الشعبي وتطور أدوات المقاومة.

الحرب، وفق هذا التصور، لن تنتهي بتفاهمات مؤقتة، بل فقط عندما يُعاد “الحق القومي” إلى أصحابه وتُكسر بنية الهيمنة بالكامل.

*العالم بعد أمريكا… هل بدأ فعلاً؟*

الخلاصة التي نصل إليها حاسمة وصادمة:

العالم لا ينتظر سقوط الهيمنة الأمريكية… بل يعيش بالفعل بدايات ما بعدها.

أوراسيا تصعد بثبات.
الصين تتحول إلى مركز الاقتصاد العالمي.
روسيا تستعيد دورها الجيوسياسي.
إيران تفرض معادلاتها الإقليمية.
والغرب يدخل مرحلة الشيخوخة الاستراتيجية.

أما ترامب، الذي عاد من بكين “مصابًا بمتلازمة الصين”، فلم يعد يمثل صورة القوة الأمريكية المطلقة، بل صورة الإمبراطورية التي بدأت تدرك أن زمنها الأحادي يقترب من نهايته.

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى