
فِي مَهَاوِي الحَيَاةِ وَشَدَائِدِهَا، يَمُرُّ أُنَاسٌ عَلَى الرُّوحِ مُرُورَ النَّسِيمِ البَارِدِ عَلَى وَجْهِ صَحْرَاءَ أَضْنَاهَا قَيْظُ الشَّمْسِ؛ يَأْتُونَ خِفَافًا كَالدُّعَاءِ، ،ويُرَمِّمُونَ بِالنَّفْسِ مَا انْكَسَرَ، وَبِالقَلْبِ مَا انْصَدَعَ، وَيُضِيئُونَ العَتْمَةَ فِي زَوَايَاهِ، حَتَّى يَغْدُوَ حُضُورُهُمْ وَطَنًا دَافِئًا تَسْكُنُ إِلَيْهِ الرُّوحُ، كُلَّمَا أَرْهَقَهَا التِّيهُ، وَيَعْمُرُونَ الوَجْدَ بِالمَوَدَّةِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالسَّكِينَةِ، كَأَنَّهُمْ قَنَادِيلُ رَحْمَةٍ أَوْقَدَهَا اللهُ فِي عَتْمَةِ الأَيَّامِ؛ هُمْ بِمُقْلَةِ الأَعْيُنِ يَعْلُونَ، لَا يَسْقُطُونَ، مَشَاعِرُهُمْ حَاضِرَةٌ، وَأَيْدِيهِمْ ظَاهِرَةٌ، لَا يَتَوَارَوْنَ حِينَ يَتَوَارَى ضُعَافُ الأَنْفُسِ، وَمُتَلَوِّنُوا الوُدِّ، وَزَائِفُوا المَشَاعِرِ؛ هُمْ سَنَدٌ حِينَ الكَبْوَةِ، وَعَوْنٌ حِينَ الشَّقْوَةِ.
وَفِي المُقَابِلِ، ثَمَّةَ مَنْ يَهْبِطُونَ عَلَى القَلْبِ هُبُوطَ الجِبَالِ بِثِقْلِهَا؛ يُلْقُونَ فِي صَفْوِ الأَيَّامِ كَدَرًا كَالحِجَارَةِ الصَّمَّاءِ، وَفِي نَقَاءِ الأَرْوَاحِ هَمًّا، كَرِيحِ الغَبْرَاءِ شَدِيدَةِ القَحْطِ وَالجَفَافِ؛ احْتُبِسَ فِيهَا الخَيْرُ، فَيَبِسَتِ الأَرْضُ بِلَا مَاءٍ، فَيَكْسِرُونَ الخَاطِرَ بِمَا يَحْمِلُونَ مِنْ ثِقْلِ القَسْوَةِ وَجَفَاءِ النَّخْوَةِ، وَيَتَهَاوَوْنَ مِنَ الأَعْيُنِ قَبْلَ أَنْ يَسْقُطُوا مِنَ الذَّاكِرَةِ؛ لِأَنَّ القُلُوبَ، وَإِنْ صَبَرَتْ، لَا تَحْتَمِلُ مَنْ يُطْفِئُ نُورَهَا، وَيَسْتَنْزِفُ دِفْأَهَا.
فَالحَيَاةُ، وَإِنْ تَزَيَّنَتْ بِالمَظَاهِرِ، لَيْسَتْ سِوَى مِحَكٍّ خَفِيٍّ يَكْشِفُ مَعَادِنَ البَشَرِ؛ فَتَكْشِفُ الشَّدَائِدُ حَقِيقَةَ الأَنْفُسِ، وَتَمْتَحِنُ صِدْقَ النَّوَايَا، وَإِخْلَاصَ المَوَدَّةِ، فَيَمْرُقُونَ مِنْ نَكَبَاتِ النَّاسِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ؛ بِعِلَلٍ وَاهِيَةٍ، وَحُجَجٍ وَاهِنَةٍ، لَا تُحِسُّ بِوُجُودِهِمْ، وَلَا تَجِدُ صَدًى لِتَفَاعُلِهِمْ، وَلَا قِيمَةً لِمَشَاعِرِهِمْ غَيْرَ الخِذْلَانِ؛ فَمَا عَلَا الغَيْرُ بِالمُقَلِ إِلَّا وَسَقَطَ هَؤُلَاءِ مِنْهَا، وَمَا ازْدَانَ الغَيْرُ قُرْبًا إِلَّا وَتَضَاءَلَ هَؤُلَاءِ بُعْدًا؛ فَمَا أَقَلَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنِ امْتِحَانَاتِ الحَيَاةِ، وَابْتِلَائِهَا، أَنْقِيَاءَ كَالضِّيَاءِ، نَاجِحِينَ فِي اخْتِبَارِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالوَفَاءِ؛ حِينَ يَرْسُبُ الآخَرُونَ بِجَدَارَةٍ. لَكِنَّ مَا يُرِيحُ النَّفْسَ أَنَّ الأَيَّامَ تَمْضِي بِحُلْوِهَا وَمُرِّهَا، وَالزَّمَانَ يَدُورُ دَوَرَانَ الرَّحَى؛ فَدَوَامُ الحَالِ عَلَى حَالٍ دَرْبٌ مِنَ المُحَالِ، فَلَا حُزْنٌ يَبْقَى، وَلَا فَرَحٌ يَرْقَى.
لِهَذَا، لَا يَنْبَغِي لِلمَرْءِ أَنْ يَأْسَى كَثِيرًا عَلَى الخِذْلَانِ، وَلَا أَنْ يُرْهِقَ قَلْبَهُ فِي مُلَاحَقَةِ الوُجُوهِ الغَائِبَةِ طَيَّ النِّسْيَانِ؛ فَالأَرْوَاحُ النَّقِيَّةُ يَصِلُ وُدُّهَا، وَيَبْقَى أثرها، وَإِنْ بَاعَدَتْهَا المَسَافَاتُ، أَمَّا الأَرْوَاحُ الزَّائِفَةُ فَتَتَهَاوَى، بِلَا قِيَاسٍ، كَمَا يَسْقُطُ الفَرَاشُ فِي النَّارِ، وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً حَدَّ الأَنْفَاسِ. وَمَا الحَيَاةُ فِي حَقِيقَتِهَا إِلَّا رِحْلَةٌ عَابِرَةٌ؛ نَلْتَقِي فِيهَا بِمَنْ يُشْبِهُونَ المَطَرَ، يَزْرَعُونَ فِينَا المَحَبَّةَ، وَيَحْصُدُونَ مِنَّا الأَمَلَ، وَنَفْتَرِقُ عَمَّنْ كَانُوا كَالبَرْقِ الخَاطِفِ، وَالرَّعْدِ العَاصِفِ؛ يَنْثُرُونَ الذُّعْرَ فَجْأَةً، وَيَبُثُّونَ الخَوْفَ عَلَى حِينِ غِرَّةٍ، ثُمَّ لَا يَتْرُكُونَ سِوَى التَّعَبِ، وَأُمْنِيَّاتٍ أَقْرَبَ لِلنَّصَبِ.
لَكِنْ يَبْقَى أَجْمَلُ مَا نَتَعَلَّمُهُ مِنْ تَقَلُّبَاتِهَا، أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُقَاسُ بِمَا يَقُولُ، بَلْ بِمَا يَتْرُكُهُ فِي قُلُوبِ الآخَرِينَ؛ فَهُنَاكَ مَنْ لَا يَمُرُّ بِالعُمْرِ، وَلَا يَرِدُ بِالخَاطِرِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَمُرُّ بِالعُمْرِ مُرُورًا عَابِرًا، وَهُنَاكَ مَنْ يَتْرُكُ أَثَرًا عَظِيمًا بَالِغًا يُشْبِهُ الطُّمَأْنِينَةَ، كَأَنَّهُ دَعْوَةٌ بِظَهْرِ الغَيْبِ مِنْ قَلْبٍ تَقِيٍّ فِي سَاعَةِ فَجْرٍ نَقِيٍّ؛ لذلك لَا تَقْتَنِ إِلَّا ذَا أَصْلٍ ثَمِينٍ، وَمعدنٍ رَصِينٍ؛ فَالمَعَادِنُ تُظْهِرُ قِيمَتَهَا حِينَ إِذَابَتِهَا بِالنَّارِ، وَالإِنْسَانُ حِينَ تَعَرُّضِهِ لِلنَّوَائِبِ، وَالانْصِهَارِ.