
لا أزعم أن مكتبة المنزل كانت دائماً انعكاساً أميناً للفكر أو مرآة صادقة للعقل. فكثيراً ما ازدحمت الخزائن بالمجلدات الفاخرة وظلت أبوابها موصدة، وكم اقتُنِيت مؤلفات بغرض استكمال “المنظر” قبل اكتمال الوعي. وإن حملت المكتبة، في أفضل تجلياتها، إمكانية أن تكون سيرةً مرئية لفضول مالكها وسخائه الفكري، تُظهر اهتماماته المتبدلة بقدر ما تكشف ميوله وذائقته الراسخة؛ ففي واقع الأمر أن هذه الإمكانية أخذت بالتضاؤل التدريجي لصالح وظيفة جمالية محضة تكاد تستأثر بكامل المنظر المريح للعين، والمُزعج للبال في آن واحد؛ حين تُنتقى المطبوعات بما ينسجم مع ألوان الديكور، وتُصفّ وفق اعتبارات شكلية ومعايير بصرية لا علاقة لها بما تخبئه الصفحات أو بالوظيفة المعرفية الكلاسيكية للمكتبات عموماً. حيث غدا شكل الخزانة وتناسق الأغلفة جزءاً من هندسة الفراغ الداخلي، لدرجة أن بعض الإصدارات بات يُنجز خصيصاً ليلائم الأثاث، بينما تبقى الأوراق مطبقة جفنيها في سباتها الطويل.
المسألة التي تتجاوز الخشب، المشدود إلى الحيطان أو المدقوق في الخزائن، إلى الكيفية التي تغيّرت بها أدوات التعبير عن أرفع مشاعرنا حميمية. وأقصد تلك الرسائل الورقية التي كانت تُدس تحت الوسائد وتتنقل خفيةً بين الأصابع، بَينا هي حاضرة ملء الحواس بملمسها ورائحتها، وبقعة دمعة جفّت فوقها وأبت أن تغادر حتى بعد اصفرار الرسالة وتآكل أطرافها، وإصرارها أن تشيخ مع أصحابها وعلى شاكلتهم. الجزئيات الأثيرة وعميق أثرنا الإنساني، الذي احتلت مكانه الآن قلوب حمراء و”إيموجيهات” متطايرة، تخطف الأبصار بلمعانها، وبلا فسحة كافية لبقية الحواس لكي تشهد لها أو عليها بالخبر اليقين.
ولا يعني ذلك أن العاطفة قد تبخرت؛ ففي كل نقرة فوق رمز صغير قد تُحدث إحساساً حقيقياً تماماً. غير أن الأداة ذاتها فقدت فرادتها، بعدما صار الرمز ذاته يُستخدم للتعبير عن الحب، وبالسهولة والخفة عينها، للتفاعل مع صورة “مفك براغي” أو دعاية لغراءٍ لصيد الذُّباب.
أي أن القضية أعمق-باعتقادي-من مجرد تغيّر الوسائط. إنها مرتبطة بطبيعة البصمة التي تتركها تلك الصيغ في العمق الشعوري. أثر سريع التلاشي يذوب وسط سيل الإشعارات اليومية، من دون أن يُخلّف وراءه ما يعادل “بقعة الدمع” الصغيرة تلك، التي استمرت أثراً شاخصاً، يروي عمر علاقة ونماء شعور وجموح انفعال.
ومع ذلك، يصعب إنكار-أو حتى تجاهل-ما أتاحته البيئة الرقمية من انتشار غير مسبوق، إذ أصبح الاطلاع أيسر تناولاً وأقل كلفةً، وأسهل بحثاً وتداولاً وأرشفة. كما خرج المحتوى الذهني من أسر الماديات الثقيلة إلى تطبيقات تضم آلاف العناوين داخل مساحة لا تُرى، وإلى مكتبة جيبية لا يتجاوز وزنها بضعة غرامات. وتخطى الأمر، في بعده الأعلى، حدود المفاضلة الترفيهية بين الورق والواجهات الضوئية، ليصبح إعادة تشكيل كاملة لنمط العيش وأسلوب الحياة؛ ومسار جديد يتكوّن أمام الأعين سواء استقبلناه بالقبول أم بالرفض.
وبوصفي من جيلٍ سبق الألفية الثالثة، يظهر قدر من الحنين واضحاً في هذا الحديث، إلا أن هذا لا يعني عدم الوعي بأن التعلّق بالماضي وحده لا يصنع مستقبلاً، ولا يستطيع أن يقف طويلاً أمام التحولات الكبرى. والإدراك أيضاً أن دفاترنا المخبأة تحت الأسِرة، بكل ما حملته من أسرار وذخائر وجدانية، قد لا تعني شيئاً لجيلٍ يرى في الملفات المحفوظة على السحابة الإلكترونية كنوزاً رقمية قابلة للاستخراج الفوري، بلا خرائط معقدة أو مغامرات محفوفة بالمخاطر.
وفي الجهة المقابلة، يواصل بعض الكتّاب منح مشقة الطريق الورقي ثقة تفوق ثقتهم بأعينهم، التي تشاهد كل يومِِ العلوم وهي تتحول إلى تطبيقات، والمكتبات الورقية وهي تنكمش داخل أجهزة، والذكاء الاصطناعي وهو يدخل مجالات التحرير والترجمة والمراجعة، والمؤلفات وهي تتجه نحو نماذج البث الرقمي والاشتراك، كما جرى سابقاً مع الموسيقى والأفلام. وتجدهم برغم ذلك، يستقبلون النشر الإلكتروني المجاني كما لو كان فخاً لا فرصة. وهو ما وقفتُ عليه مستغرباً، وما أستطيع تأكيده من واقع تجربتي في إدارة دار نشر إلكترونية تتولى مجاناً الترقيم الدولي والإيداع القانوني.
وهنا أصل إلى بيان الفكرة التي أحاول بلوغها منذ البداية، وهي أننا لا نعيش صراعاً بين المطبوع والعرض الإلكتروني، ولا نقف أمام ضرورة تفرض اختيار أحدهما وإقصاء الآخر. نحن فقط إزاء عالمٍ يتبدل بوتيرة سريعة، وعلى نحو مختلف عن موقع وميزان ذاكرة الأمس. لذلك، يبدو الاستعداد للزمن الذي سيحياه أولادنا أشد إلحاحاً من الاكتفاء بالدفاع العاطفي عن الأدوات القديمة، أو محاولة إقناع الأجيال الجديدة بسحر الملموسات وجمالها الآسر.
لم يعد الباحث عن المعرفة مضطراً إلى اقتناء خزائن كاملة، ولا المؤلف مجبراً على انتظار طوابير النشر الورقي الطويلة كي يصل إلى قارئه. فالحياة تعيد تشكيل نفسها استجابة لتنامي الحضور الافتراضي، وانسجاما مع إيقاع العصر ببساطة، لا لأن النسخة الماضية سيئة في ذاتها.
هذا في حين تنبئنا الشمس في صباح كل يوم بأن الكتاب الورقي يتجه، حثيثا، نحو قيمة رمزية وزخرفية، فيما أصبحت القراءة أكثر التصاقاً بالشاشة، وأقدر على مواكبة التسارع المتواصل. وربما لن نحتاج إلى أرفف جديدة بعد الآن؛ لكننا سنحتاج بالتأكيد إلى وسائل مختلفة لفهم هذا الواقع المتحوّل، وإلى صلة أكثر توازناً مع تلك الأشياء العتيقة، التي طالما أهدتنا، ببطءٍ، شيئاً من دفئها الأخاذ.