خطة تفكيك إيران من الداخل في “تسريبات” الاستخبارات الإسرائيلية: رأس الحربة الكردية، وورقة أحمدي نجاد، وفيتو أردوغان

كتب:هاني الكنيسي
تتمحور التسريبات المتواترة والمنسوبة لمصادر استخبارية إسرائيلية حول خطة سرية “مشتركة” مع واشنطن لإسقاط النظام الإيراني، اعتمدت على ركيزتين: إشعال تمرد كردي واسع في شمال غرب إيران عبر مقاتلين قادمين من العراق، وإعداد بديل سياسي “مؤقت” للنظام القائم، كان الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد أبرز المرشحين لقيادته.
اللافت أن أحدث فصول هذه الرواية لم يأت من تسريب مجهول المصدر أو من مصدر إعلامي مريب، بل ورد على لسان أكبر القيادات الأمنية في إسرائيل.
ففي مقابلة مع شبكة PBC الأمريكية، كشف اللواء (احتياط) ‘تمير هايمان’ الرئيس السابق لمديرية الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، والذي كان له دور بارز في حرب “زئير الأسد” على إيران، تفاصيل عملية “سرية” كانت تستهدف إطاحة القيادة في طهران عبر “سلسلة محكمة” من التحركات تبدأ بحشد كردي مسلّح على الأرض يفتح الباب لتمرد داخلي أوسع في أنحاء إيران. لكنه اعترف بأن الضغط التركي كان العامل الأساسي وراء عدول الرئيس الأمريكي ترمب عن المشروع الذي تحمّس له في البداية.
وعندما سُئل ‘هايمان’ عن سبب إجهاض العملية في نهاية المطاف، أشار مباشرة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي رأى في أي دعم أمريكي أو إسرائيلي للقوى الكردية، أو في تسهيل قيام كيان كردي سياسي على أرض إيران المجاورة، تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي ووحدة أراضيه.
ووفقا للمسؤول الإسرائيلي، فإن قرار إلغاء العملية لم يكن نتيجة ضعف الخطة بقدر ما كان نتيجة تداخل حساس بين الحسابات الإقليمية والاصطدام بخطوط أنقرة الحمراء في الملف الكردي.
وفي هذا الصدد، تكاد تتوافق رواية ‘هايمان’ مع ما نقله الإعلام العبري أمس عن ‘ديفيد برنياع’ رئيس جهاز الموساد (الذي سيغادر منصبه هذا الشهر)، الذي تحدث عن “خطة سرية” وضعتها “مديرية التأثير” (التي يفخر بتأسيسها عام 2021)، وتمت مناقشتها مع إدارة ترمب في اجتماعات رسمية. فيؤكد أنها انطلقت من فكرة تمكين مقاتلين أكراد عراقيين من غزو منطقة كردستان الإيرانية في شمال غرب البلاد، بهدف إشعال فتيل التمرد داخل إيران، واستنزاف الحرس الثوري وقوات الباسيج، وإلهام الأقليات غير الشيعية الأخرى بالتحرك. وكان التصور الإسرائيلي – حسب التقديرات الاستخباراتية – أن يؤدي ذلك إلى سحب قوات النظام بعيدًا عن طهران، فيما تتولى إسرائيل ضرب قوات الحماية على المعابر الحدودية لتأمين الغطاء للعملية. ووفقا لسردية ‘برنياع’، فقد أُلغيت العملية نتيجة “تسرب” معلومات عن الخطة -لسبب غير معلوم- إلى المخابرات التركية ووسائل إعلام أمريكية، فتحركت أنقرة التي تتحسس جدا من أي نشاط قد يوقظ النزعات القومية الكردية، وأقنعت ترمب بإجهاض المشروع.
أما ما يتعلق بفكرة “تجنيد” أحمدي نجاد لقيادة مخطط “التغيير من الداخل” في إيران، والتي كانت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ أول من فض بكارتها قبل أسبوعين (وأثارت جدلا عظيمًا ونفيًا متكررا من طهران)، فقد تحدث ‘تمير هايمان’ في مقابلته مع المحطة الأمريكية عن “إعداد دبلوماسيين ومسؤولين استخباراتيين خطة تجعل من الرئيس الإيراني السابق شخصية محورية في عملية انتقال سياسي محتملة داخل إيران”.
ورغم أن اسم أحمدي نجاد ظل لعقود مرتبطاً بخطاب عدائي تجاه إسرائيل والغرب وإنكار علني للمحرقة (الهولوكوست)، فإن رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق أوضح أن إدراجه في التصورات المطروحة لم يكن قراراً منفصلاً، بل جزءاً من “إطار عملياتي أوسع وأكثر ترابطاً”، مضيفاً أن الرئيس الإيراني السابق “كان مرتبطاً بسلسلة عمليات خاصة لا يزال معظمها طي الكتمان”.
وإذا كان الموساد قد رفض تأكيد أو نفي ما ورد في تقرير الصحيفة الأمريكية عن خطته السرية لتجهيز نجاد كزعيم محتمل (ومؤقت) لإيران بعد إسقاط نظامها الحالي، فإن مجرد طرح الفكرة كشف مقدار “الجموح” الذي بلغته بعض السيناريوهات في دوائر الاستخبارات الإسرائيلية التي تجاوز تفكيرها حدود الاحتواء الدبلوماسي والحصار الاقتصادي (على غرار التوجه الأمريكي) أو حتى الإسقاط العسكري إلى إعادة هندسة نظام طهران نفسه.
وفي سياق نفيه لفرضية أن إسرائيل (النتنياهو) هي من جرّت الولايات المتحدة إلى عمل عسكري مباشر ضد إيران، أشار’ هايمان’ إلى أن نجاح العملية الأمريكية في فنزويلا (خطف الرئيس ‘نيكولاس مادورو’ وزوجته ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة) كان مصدر إلهام وتشجيع لترمب الذي “فاجأ القيادة العسكرية والأمنية في إسرائيل بتغريداته غير المتوقعة بأن المساعدة في طريقها إلى المتظاهرين المناهضين للنظام في إيران”.
وواضح طبعا من هذه الإشارة، أن المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي أراد أن يوحي بأن البيت الأبيض كان يتحرك -في لحظة ما- دون تنسيق مع الحليف الإسرائيلي، وأن الرئيس البرتقالي ربما راهن على اضطراب الساحة الداخلية في إيران بأكثر مما ينبغي. لكنه تجاهل -في المقابل- أي إشارة لما تداوله الإعلام الأمريكي عن التقارير الاستخباراتية التي حملها النتنياهو بنفسه إلى ترمب ليطمئنه بأن الشارع الإيراني “الغاضب” سيتحرك مع أول قذيفة أمريكية تسقط على رأس النظام. وهو ما ثبت بالتجربة العملية “المرّة” أنها كانت أوهاما باعها الربيب الدموي لكفيله البلطجي.