
قهرتني ذبابةٌ
تسلّلت إلى مضجعي،
وبنت فوق الوسادة عرشًا صغيرًا
تحرسه عينان ترى إن رَفَتْ رموشي،
وجلست كملكةٍ لا تعترف بوجودي.
لم يكن النهار ليرضى بي،
لحقت به نفسي… وفشلت،
ولم أجد طريقًا أسلكه
إلى هدفٍ يرضيه.
قلتُ: أدعها تجوع…
لا حلوى هنا، ومن فتات الذكريات تموت الذاكرة،
ويبقى فراغٌ بلا حرف… وبلا معنى.
وحتى أحلامي صارت يابسة
كقشرة لوزٍ منسيّةٍ عافها النمل.
ولِمَ القلق؟
كلّ جسدٍ يعرف برده،
وأنا يغطّيني لحافٌ
أشعر أحيانًا أنّه يرتدي جسدي… لا أنا.
غفوتُ فوق عرش الفرشة،
وتركْتُ للذبابة عرشها على وسادتي،
كضيفٍ أمقته إن دار في الغرفة،
وأحنو إليه إن سكت.
فجاءني فيلٌ يرتدي قبّعة حرير،
تجالسه ذبابةٌ وديعة،
يشكو لها ثقل رأسه
وقلّة التفكير.
ضحكت الذبابة بخفّةٍ ماكرة وقالت للفيل:
ما أجمل قبّعتك…
لا تحرّك أذنيك كي لا تطير القبّعة
وتتكشّف.
واسمح لي أن أدخل فمك،
أحلُّ ضيفةً على لعابك،
أنزلق حتى أصل إلى تلافيف دماغك،
أفردها بساطًا يلمع بالحكمة،
وأبحث عن مصيرك
إن قرّرتَ يومًا أن تفكّر.
ربما منحك القدر عرش الغباء،
فلبستَ قبّعة حرير
ونسيتَ القش…
وما نفع قبّعةٍ ناعمة
تخفي تحتها خوفًا أشعث.
فلنبدأ…
المعضلة ليست الطريق،
بل الأهداف التي سقطت منك
حين سبقت اللذّةُ الخطوات،
وكأنك تخطو فوق مرايا الفراغ.
بأيّ هدف تفكّر؟
ما أسخفك حين تظنّ أن الأهداف بلا طريق.
فالطريق لا يفكّر،
يحملك…
ويبقى لغيرك،
وأنت تمضي ناسياً.
انهض…
جبلٌ يكاد يغار من صبرك،
وأنت تشكو لذبابة.
صحوتُ أتحسّس أذنيّ،
وفمي… هل صار خرطومًا؟
قدماي… هل اسودّتا؟
وكم ثمن الجرابات لقدَمٍ
أكبر من رأسي؟
لولا المرآة لظننتني فيلًا.
بحثتُ عن الذبابة،
فوجدتها تمسح وجهها وعينيها،
وكأنها ابتلعت الفيل
وتركتني وحدي.
صرختُ: أيُّ هدفٍ كان للفيل؟
لو تركتِه يحدّثكِ…
يا ذبابةً مدلّلة في رخائها،
تتكبّرين خطأً،
وتراوغين في الحياد.
لا تطلبي مني البحث عن هدفه؛
ربما كان يحلم بحديقةٍ يضيعكِ فيها،
أو غيمةٍ تمطر عليه…
تغسل عينيه، وينساكِ.
أما أنا…
فسأبحث عن قبّعة حرير
لا أضعها على رأسي،
بل أرفعها عن وجهي…
لأرى الذبابة التي كانت أنا،
والفيل الذي غار منه جبل.
وسأبيع المرآة.
دريسدن – 07.06.2026