كتاب وشعراء

الرسالة القادمة من عام 2046…بقلم أمين أحمد مخنجف

الجزء الأول:

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين انتبهت إلى الظرف.
لم يكن هناك قبل دقائق.
لا أقول ذلك على سبيل الظن. بل على سبيل المعرفة.
كنت وحدي في المنزل، وقد أمضيت ساعة كاملة أحدق في الطاولة نفسها دون أن يغادرها بصري إلا قليلًا.
ومع ذلك كان الظرف الآن فوقها.
هادئا،بسيطا.
كأنه لم يظهر للتو، بل كان ينتظر اللحظة التي أراه فيها. ظللت أحدق إليه طويلًا.
ظرف أبيض بلا اسم. بلا عنوان.
بلا أثر يدل على الطريق الذي سلكه.
كأن أحدا لم يرسله.
أو كأن الطريق الذي جاء منه لا تعترف به خرائط العالم.
مددت يدي نحوه أخيرا.
وفي اللحظة التي فتحتُه فيها، شعرت أن شيئًا غير مرئي قد تحرك في أعماق الواقع حركة صغيرة جدًا…
لكنها الحركة نفسها التي تكفي ليصبح كل شيء مألوفًا وغريبًا في الوقت ذاته.
أخرجت الرسالة،ونظرت إلى الكتابة.
كان الخط خطّي ليس شبيهًا به،وليس تقليدا متقنا له. بل خطّي أنا.
حتى تلك الانحناءة الصغيرة التي تظهر كلما كتبت حرف النون بسرعة كانت هناك.
حتى الأخطاء التي أحاول إصلاحها منذ سنوات كانت هناك.
كأن اليد التي كتبت هذه الكلمات هي يدي فعلًا.
لكنها لم تكن يدي الآن.
في أعلى الصفحة كان تاريخ واحد:
يونيو 2046
شعرت أن الرقم يرفض أن يستقر في ذهني. كلما قرأته عاد غريبا كما لو أنني أراه للمرة الأولى. عشرون عاما.
عشرون عاما تفصلني عن كاتب هذه الرسالة،أو هكذا يفترض.
أما الرسالة نفسها فلم تحتوِ إلا على جملة واحدة: حين يُطرق الباب بعد منتصف الليل… لا تفتحه مهما سمعت.
بقيت أحدق في السطر.
أبحث عن تفسير ينجو من السخرية.
عن مزحة متقنة،عن خطأ ما.
عن أي صدع يمكن للعقل أن يتسلل منه نحو الطمأنينة.
لكن قبل أن أجد شيئا…
سُمعت طرقات خافتة على الباب.
ثلاث دقات متباعدة،لا عالية بما يكفي لإخافتي، ولا ضعيفة بما يكفي لأتجاهلها.
كأنها اختارت بدقة المسافة الفاصلة بين الشك واليقين.رفعت رأسي ببطء، وساد الصمت.
ثم جاءت الطرقات مرة أخرى.
أبطأ، أثقل، وكأن الطارق لا يطلب الدخول…
بل ينتظر أن أتخذ القرار الخاطئ.
عندها عدت أنظر إلى الرسالة. ولأول مرة في حياتي شعرت أن الزمن ليس خطا مستقيما كما تعلمناه، لأن الصفحة لم تعد كما كانت. كانت هناك كلمات جديدة في أسفلها. أقسم أنها لم تكن موجودة حين فتحت الظرف، وأقسم أنني لم أرفع عيني عنها إلا لثوانٍ.
كلمات صغيرة جدًا، لكنها كانت كافية لتجعل العالم يبدو وكأنه انزاح قليلًا عن مكانه.
وكان مكتوبا:
إذا سمعتَ صوتك… فلا تُجب.
خربشات بعيد عن وطنه
أ.أ.إ.م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى