
انبعثتْ من عمق الخشب العتيق رائحة ثلاثة أجيال؛ جسدُه الواهن، تجاعيد والده، وخيوط معطف جده الصوفي. في الزاوية، كانت ساعة الحائط تلتهم سكون المكان، كأنها تدور حول الأمس وحده.
خلف الزجاج، تلظّت الشوارع بغبار القيظ، بينما يركض المارة فراراً من ظلالهم. على الرف، تكدست البقايا: مفتاحٌ لبيتٍ غاب.. رسالةٌ بترها الوقت.. ونظارةٌ شُجّ زجاجها في ليلة ذعر.
مرر أصابعه فوق الطاولة. لمس غباراً برائحة مطر قديم.
استدعى ضحكاتٍ غادرتْ، تاركةً وراءها حقولاً من ألغام الذاكرة.
رفع القلم.
غمس الريشة في دواته.
استعصى البياض، تجمّد الحبر.
في تلك اللحظة، تبدلت الأدوار؛ أدرك أن شخوص نصوصه القدامى استولوا على أصابعه.
صاروا هم من يكتبون صمته.
نهض متثاقلاً نحو المرآة الشاحبة. حدّق ملياً… غابت ملامحه تماماً. لم تلمح عيناه سوى وجوه الراحلين، يعبرون بابه المشرع نحو المجهول.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي