رؤي ومقالات

مصطفي الفيتوري يكتب :كيف حوّلت السوشيل ميديا الليبية مشكلة الهجرة الي برميل بارود

وأنا أتابع ما جرى في أيرلندا الشمالية منذ يومين ،وجدت نفسي أفكر في ليبيا أكثر مما أفكر في أيرلندا. فهناك على الأقل يوجد قانون ودولة قائمة وقوية.
هناك، يُتهم لاجئ سوداني بالاعتداء الوحشي على رجل في الشارع ويقول البعض انه لولا تدخل المارة لحز رأس الضحية عن جسده. اليوم سيمثل المتهم أمام القضاء وهو الي الآن متهما لا مدان.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أخطر من الجريمة نفسها: أعمال شغب، وإحراق منازل ومحال تجارية، وفرار عائلات من بيوتها، وتحول الغضب الشعبي إلى غضب ضد المهاجرين بصورة عامة. أفعال أجرامية محضة.
الضحية مازال في المستشفى والخوف الآن أن يموت فحينها سوف تتكرر أحداث الشغب وربما بأكثر دموية.
المتهم وصل الي ايرلندا (جمهورية أيرلندا) عام 2023 ومنها أنتقل الي إقليم ايرلندا الشمالية (جزء من بريطانيا وتحت سيادتها) وهنالك تحصل على صفة لاجئ حتى العام 2028
وفي الكارثة دروسا لنا وخاصة لأولئك الذين ساهموا في تحويل مشكلة الهجرة في ليبيا الي برميل بارود تنتظر عود الكبريت وذلك العود قد يكن مثلا أن يهاجم أحد المهاجرين الأفارقة أو سواهم مواطنا ليبيا ويقتله لا سامح الله؟ فماذا سيفعل الناس حينها وهم مشحونين بالكراهية والحقد ويحسون بالعجز الحكومي وخذلان السلطة لهم نتيجة مشاكل كثيرة أخرى وأن تبدت لنا الآن على أنها تخص او متصلة بالمهاجرين غير القانونيين؟ ماذا سيحدث؟
وأنا أولا واخيرا وقبل كل طرف مستفيد من الأزمة الحالية او محرضا عليها أعتبر بعض رواد السوشل ميديا وبعض ممن يعتبرون أنفسهم نشطاء ضد الهجرة أول المحرضين ضد المهاجرين بطريقة التضليل والتزييف والكذب والحرص على فبركة الأخبار ونقلها الي الآخرين وهم يعرفون أنهم يكذبون… ولكن في كذبهم هذا لا يهمهم شئ الا كم من الإعجابات (الليكات) التي يتحصلون عليها وكم من الرواد الآخرين سينقلون عنهم.
وهؤلاء المؤثرين لديهم اتباع بلا شك وكثيرين منهم يصدقون ادعاءاتهم وهذة الإدعاءات والأكاذيب تتحول عند بعض المتابعين الي حقائق فتشحن أنفسهم وتزيد من أحقادهم وكراهيتهم للمهاجرين ويصبحون مستعدين لممارسة العنف ضدهم لأتفه سبب فماذا سيفعلون لو ان أفريقيا مثل قتل ليبيا في الطريق العام أو في بيته أو في سوق الخضارــ وقد ظهر فيها عدد كبير جدا من الباعة السودانيين؟)
قبل أن ألوم أي طرف آخر في هذا المف ألوم وبشدة “كبار” المؤثرين وأخص منهم من يتابعهم عشرات الآلاف من العامة لثقتهم فيهم… كيف يسمحون لأنفسهم بأطلاق تلك الأكاذيب وهم يعرفون أنها أكاذيب؟ كيف لمحامي(ة)، وإحداهن أعرفها شخصيا، أن تظهر على شاشات التلفزيون وعلى وسائل التواصل وهي تنشر الكذب وهي تعرف جيدا أنه كذب؟ كيف للبعض ممن يسمون أنفسهم نخبة وبعضهم يحملون شهادات عليا أن ينشرون ما يعرفون أنه كذب وحتى أن لم يعرفوا ويكتشفونه لاحقا لا يتراجعون عنه ولا يزيلون ما نشروا خاصة أذا نال عدد كبير من الأعجابات وتناقله المئات عنهم؟ ولقد حدث أكثر من مرة ان علقت لبعض هؤلاء أن منشوركم حول هذا الموضوع او ذاك غير صحيح ومع معرفتهم بدقتي وصدقي الا انهم لا يتراجعون…بل أن احدهم ذات مرة (ويحمل صفة دكتور وكبير في العمر) رماني بالمقولة الليبية الشهيرة: شن دخلك أنت؟
ودون أن أتهم أحد بعينه (الا تذلك الفئة في هذا المقام) الا أنني احذر من خطورة أفعال تلك الفئة من الناس في وقت تحولت فيه مشكلة الهجرة الي برميل بارود ينتظر عود كبريت مشتعل قد يشعله خلاف على سعر الطماطم في سوق شعبي او كلمة يقولها مهاجر (دون ان يفهم حتى معناها) لليبي حامي الدم وممتلئ بالقهر والعنف المكبوت نتيجة حاله وحال البلد وليس بالضرورة نتيجة أزمة الهجرة.
الكلمة مسئولية وهي كالرصاصة وأشد فتكا ومتى انطلقت لم تعد ملك من أطلقها ولا يمكن استعادتها!
وتظل الهجرة مشكلة قائمة وتزداد حدة وكل العلاجات الحالية بما فيها حملات الإعتقال والترهيب والإرهاب ستنتهي الي لا شئ وسيهدأ الأمر بعد فترة وتعود المشكلة كما كانت وأكثر وسيعود المهاجرين أفارقة أو سواهم الي ما كانوا عليه: خبراء في التكسير (يدهشني حب الليبيين لتكسير جدران بيوتهم خاصة في الصيف ورأيت أحد الجيران يكسر حوائط في بيته الذي مازال لم يكتمل بناؤه) وخبراء في غسيل السيارات وسادة أسواق الخضار وحتى السجائر وصناع الخبز وتنظيف الشوارع! ومن تم اعتقاله ولم يُرحل (وهم الأغلبية) سيتم اطلاقهم فلا توجد اماكن كافية لإحتجازهم خاصة في مراكز الشرطة وكلما طال احتجازهم ارتفعت كلفة الإحتجاز ولهذا يصبح أطلاقهم أقل كلفة واقل مشاكل مع العالم الذي يتهم الليبيين بأنهم برابرة وباعة للرقيق مع معرفته أنه هو أيضا يكذب!
والمفلت في أمر النشطاء وكبار الرواد انهم لا يقدمون حلولا ومن يفعل منهم غالبا تكون مقترحاته محدودة الزمان والمكان والأثر وليست علاجا ناجعا طويل الأمد لمشكلة حقيقية قائمة منذ عقود.
وفي النهاية:
ستظل الهجرة مشكلة عصية لأن لا أحد يريد حلها ومن يريدون عاجزون وليسوا أصحاب قرار في ملفها. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى