قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ «أُوتيتَ الفرح» للشاعرِ القديرِ: صلاح حسنية – مزمار القصيد.. بقلم الناقدة اللبنانية: ليلى صليبي

القراءةُ النقديةُ بقلم الناقدة: ليلى صليبي:
في قصيدةِ «أُوتيتَ الفرح»، المهداةِ إلى الحفيدِ تيمور في عيدِ ميلادِه الأوّلِ، لا يكتبُ الشاعرُ قصيدةً عابرةً في مناسبةٍ عائليةٍ، بل يحوّلُ ميلادَ الطفلِ إلى طقسٍ شعريٍّ لاستعادةِ الفرحِ وتجديدِ معنى الحياةِ. فالطفلُ هنا ليس مجرّدَ حفيد، وإنّما كائنٌ يأتي محمّلًا بالبشارةِ، ويغدو حضورُه امتدادًا للروحِ، وفجرًا جديدًا في عمرِ الجدِّ.
ويختصرُ العنوانُ «أُوتيتَ الفرح» جوهرَ التجربةِ الشعريةِ؛ فالفعلُ «أُوتيتَ» يحملُ إيحاءً بالعطاءِ والمنحةِ، وكأنَّ الفرحَ ليس حالةً عابرةً، بل هبةٌ إلهيةٌ أُسندتْ إلى الطفلِ، ثمَّ فاضتْ منه على المحيطين به. ومن هنا تتّسعُ دلالةُ الفرحِ من مناسبةِ الميلادِ إلى فلسفةٍ في العطاءِ والحياةِ.
1. السماءُ والطفلُ: ولادةٌ تتجاوزُ حدودَ المناسبةِ؛
يفتتحُ الشاعرُ بقولِه:
«تزغرد سماءٌ في ولادة طفل
ويحمل الصبح وجهَ إله»
فتأتي السماءُ في صورةِ كائنٍ يشاركُ في الاحتفالِ، من خلالِ استعارةٍ جميلةٍ هي «تزغرد سماء»، بما يمنحُ الحدثَ بعدًا كونيًّا. لم تعدِ الولادةُ حدثًا عائليًّا محدودًا، بل أصبحتْ فرحًا تشاركُ فيه الطبيعةُ والسماءُ والصبحُ.
ثمَّ يقولُ:
«ونحن رأينا
ذلك الطفل السعيد فيك»
فتنتقلُ القصيدةُ من المشهدِ الكوني إلى الخطابِ المباشرِ، ويصبحُ الطفلُ مركزَ الرؤيةِ الشعريةِ، فتتخذُ القصيدةُ طابعًا حميميًّا واضحًا.
1. «قلبًا أخضر»: رمزُ البداياتِ والنماءِ:
في قوله:
«وانتظرناك
قلبًا أخضر
ورأسك في السماء»
تتجاوزُ الخضرةُ دلالتَها اللونيةَ إلى دلالةٍ رمزيةٍ؛«فالقلبُ الأخضرُ» يُحيلُ إلى النّقاءِ، والحياةِ، والنماءِ، والبداياتِ التي لم تلوثْها التجربةُ.
أمّا «رأسك في السماء» فتفتحُ الصورةُ على طموحٍ مستقبليٍّ، وكأنَّ الشاعرَ لا يحتفلُ بالطفلِ كما هو فقط، بل يستشرفُ الإنسانَ الذي سيكونُه. وهنا يتحوّلُ الحفيدُ من طفلٍ حاضرٍ إلى مشروعِ حياةٍ وأملٍ.
1. الفرحُ بوصفِه هويةً:
من أجملِ المقاطعِ:
«أُوتيتَ الفرح
حبيبًا
ومحبًّا
ومحبوبًا»
يُقيمُ الشاعرُ بناءً ثلاثيًّا متدرجًا: حبيبًا، محبًّا، محبوبًا. وهو تدرجٌ دلاليٌّ لافتٌ، لأنَّ الطفلَ لا يُختزلُ في كونِه محبوبًا من الآخرين، بل يجمعُ بين الأخذِ والعطاءِ؛ يُحبُّ ويُحبُّ ويكونُ موضعَ محبّةٍ.
وهنا يصبحُ الفرحُ علاقةً إنسانيةً مكتملةً، لا إحساسًا فرديًّا.
1. الحواسُ تتحوّلُ إلى لغةٍ للحبِّ:
يقولُ الشاعرُ:
«في وجهك نور
وعلى وجهك نكهة العسل
وفي عينيك ضوء
ولهفة الصباح
على أدراج العمر»
تتجاورُ في هذه الصورةِ مفرداتُ النورِ والعسلِ والضوءِ والصباحِ، وهي معجمٌ شعريٌّ قائمٌ على الإشراقِ والحلاوةِ والبداياتِ.
واللافتُ هو الانتقالُ من «وجهِكِ» إلى «عينيكِ» ثمَّ إلى «الصباحِ»، فيتسعُ حضورُ الطفلِ تدريجيًّا حتي يصبحَ أشبهَ بمشهدِ فجرٍ جديدٍ.
أمّا عبارةُ:
«لهفة الصباح على أدراج العمر»
فهي من أكثرِ الصورِ كثافةً في النصِّ؛ إذ شخّصَ الشاعرُ” الصباحَ ومنحَه «لهفةً»، وجعلَ العمرَ ذا «أدراجٍ» تُصعدُ درجةً بعدَ أخرى. وبذلك يتداخلُ الزمنُ مع الطفولةِ في صورةٍ تحملُ استشرافَ المستقبلِ.
1. الطفلُ كونُه نورًا وصلاةً:
في قولِه:
«يضويء وجهك الأرض
وترتل لك السماء صلاة»
تتّخذُ القصيدةُ منحى روحيًّا واضحًا. فالطفلُ يتحوّلُ إلى نورٍ يضيءُ الأرضَ، بينما السماءُ نفسُها تدخلُ في علاقةِ ابتهالٍ معه.
وهنا تتنامى ثنائيةُ الأرضِ/السماءِ، وهي ثنائيةٌ تتكرّرُ في النصِّ بصورةً مباشرةً أو ضمنيةٍ، لتمنحَ حضورَ الحفيدِ بعدًا يتجاوزُ الواقعَ العائليَ إلى أفقٍ روحيٍّ.
ثمَّ يقولُ:
«يا لضياء عينيك
ترسم الضحكة
على وجه ملاك»
وتكتملُ صورةُ الطفلِ في هيئةِ «ملاك»، وهي صورةٌ تنسجمُ مع معجمِ النورِ والطهرِ الذي تأسستْ عليه القصيدةُ منذُ بدايتِها.
1. «جدو»: الكلمةُ التي تختصرُ عالمَ الجدِّ
من أكثرِ المقاطعِ خصوصيةً ودفئًا:
«جدو
كلمةٌ في حلقِ ملاكٍ
سقطتْ من فمِ زريابٍ
لتملأَ قلبي فرحًا
وسلامًا
وحياةً»
هنا تبلغُ القصيدةُ ذروةً وجدانيّةً شديدةَ الخصوصيةِ.
فكلمةُ «جدو» الصغيرةُ تتحوّلُ إلى حدثٍ شعريٍّ كبيرٍ. والشاعرُ لا يسمعُها مجرّدَ لفظةٍ طفوليةٍ، بل يجعلُها موسيقى تهبطُ من فمِ ملاكٍ.
واستدعاءُ «زرياب» يضفي على صوتِ الطفلِ بُعدًا موسيقيًّا؛ فزريابُ يحضرُ باعتبارِه رمزًا للغناءِ والموسيقى، وكأنَّ كلمةَ الحفيدِ الأولى للجدِّ جاءتْ محمّلةً بنغمةٍ لا تشبهُ سواها.
والأجملُ أنَّ هذه الكلمةَ لا تملأً القلبَ فرحًا فحسب، بل:
«فرحًا وسلامًا وحياةً»
فتتدرّجُ الدلالةُ من الشعورِ إلى الطمأنينةِ ثمَّ إلى الوجودِ نفسِه. وكأنَّ الطفلَ أعادَ تعريفَ الحياةِ في قلبِ الجدِّ.
1. من الحفيدِ إلى الوصيةِ:
في المقطعِ الأخيرِ يتغيرُ إيقاعُ الخطابِ:
«يا حبيب الله
وتاج العصر الآتي
ونور عمري
وفجر حياتي»
يتكثّفُ النداءُ، وتتراكمُ الصفاتُ، لكنَّ الشاعرَ لا يتوقّفُ عند المديحِ، بل ينتقلُ إلى الوصيةِ الأخلاقيّةِ:
«كن بالحق
وصدق العقيدة
وعفة الغايات
وسماحة النيات»
وهنا تكشفُ القصيدةُ عن وجهِها الأعمقِ؛ فهي ليستِ مجرّدَ احتفاءٍ بطفلٍ في عامِه الأوّلِ، وإنّما رسالةُ جدٍّ إلى المستقبلِ.
فالجدُّ لا يريدُ للحفيدِ أن يكونَ ناجحًا فحسب، بل يريدُ له أن يكونَ إنسانًا مستقيمًا، صادقًا، عفيفَ الغايةِ، سمحَ النيّةِ.
وبذلك يتحوّلُ عيدُ الميلادِ من احتفالٍ بالماضي والحاضرِ إلى استشرافٍ للإنسانِ الذي ينبغي أن يكونَه تيمور في المستقبلِ.
1. البنيةُ الفنيةُ والإيقاعُ:
اعتمدَ الشاعرُ بناءً مقطعيًّا مرقّمًا، وهو بناءٌ يسمحُ بتوزيعِ التجربةِ على محطاتٍ وجدانيةٍ متتابعةٍ: الولادةِ، الانتظارِ، الفرحِ، الملامحِ، النورِ، الصوتِ، «جدو»، ثمَّ الوصيةِ.
كما أنَّ الجملَ القصيرةَ والتقطيعَ المتكرّرَ يمنحان النصَّ نفسًا قريبًا من الابتهالِ والهمسِ العاطفي، ويتناسبان مع طبيعةِ الموضوعِ الذي يقومُ على الحنانِ والدهشةِ والاحتفاءِ.
وتكثرُ في النصِّ الأفعالَ والصورَ التي تمنحُ الجماداتِ والطبيعةِ صفاتٍ إنسانيةً، مثلَ «تزغردُ السماءُ»، و«ترتلُ السماءُ صلاةً»، فيتحوّلُ الكونُ كلُّه إلى مشاركٍ في فرحِ الجدِّ.
1. المعجمُ الشعريُّ: من الضوءِ إلى الحياةِ:
يمكنُ ملاحظةُ هيمنةِ حقلٍ دلاليٍّ واضحٍ على القصيدةِ، تتكرّرُ فيه مفرداتٌ:
السماء، الصبح، الأخضر، الفرح، النور، العسل، الضوء، الصباح، الأرض، الصلاة، الملاك، القلب، السلام، الحياة، الفجر.
وهذه المفرداتُ ليستْ متناثرةً، بل تنتظمُ في شبكةٍ دلاليّةٍ واحدةٍ قوامُها النقاءُ والضياءُ والبشارةُ والبدايةُ.
ومن ثمَّ فإنَّ الطفلَ في القصيدةِ لا يُرسمُ بملامحِه الجسديةِ بقدرِ ما يُرسمُ بالأثرِ الذي أحدثَه في روحِ الجدِّ.
خاتمةٌ:
«أُوتيتَ الفرح» قصيدةٌ تنطلقُ من مناسبةٍ شخصيةٌ حميمةٍ، لكنّها تنفتحُ على معنى إنسانيٍّ أوسعَ: كيفَ يستطيعُ ميلادُ طفلٍ أن يعيدَ ترتيبَ مشاعرُ إنسانٍ أنهكتْه السنواتُ، فيمنحُه سببًا جديدًا للفرحِ والتطلعِ؟
لقد جعلَ الشاعرُ من حفيدِه” تيمور” صورةً للغدِ، ومن عامِه الأوّلِ عتبةً لمستقبلٍ طويلٍ، ومن كلمةِ «جدو» الصغيرةِ ينبوعًا من الفرحِ والسلامِ والحياةِ.
والقصيدةُ في جوهرِها ليست قصيدةَ طفلٍ فحسب، بل قصيدةُ جدٍّ رأى في حفيدِه استمرارًا للحياةِ، وفجرًا يطلُّ من آخرِ العمرِ، وبشارةً بأنَّ ما يأتي يمكنُ أن يكونَ أكثرَ إشراقًا ممّا مضى.
إنّها قصيدةُ محبّةٍ، لكنْ أجملُ ما فيها أنّها لا تجعلُ المحبةَ غايةً نهائيةً؛ بل تجعلُها مسؤوليةً ووصيةً وقيمًا ينبغي أن يحملَها الطفلُ معه وهو يصعدُ أدراجَ العمرِ.
دُمتُم مبدعًا واطالَ الله بعمرِ حفيدِكم ومنحَه مستقبلًا ناجحًا
القصيدةُ:
——(أوتيت الفرح)——-
مهداة الى حفيدي تيمور في عيد ميلاده الأول
١- تزغرد سماء في ولادة طفل
ويحمل الصبح وجه إله
ونحن رأينا
ذلك الطفل السعيد فيك
٢ – وانتظرناك
قلبا اخضرا
وراسك في السماء
٣- أوتيت الفرح
حبيبا
ومحبا
ومحبوبا
٤ – في وجهك نور
وعلى وجهك نكهة العسل
وفي عينيك ضوء
ولهفة الصباح
على أدراج العمر
٥ – يضوىء وجهك الأرض
وترتل لك السماء صلاة
يا لضياء عينيك
ترسم الضحكة
على وجه ملاك
٦ – صوتك يركض في حقول القلب
يفتح عتبة الصلاة
ويتهجا ألله
٧ – ” جدو ”
كلمة في حلق ملاك
سقطت من فم زرياب
لتملأ قلبي فرحا
وسلاما
وحياة
٨ – يا حبيب الله
وتاج العصر الآتي
ونور عمري
وفجر حياتي
وبشرى الرجال
وندا العزم
ونبل الغايات
كن بالحق
وصدق العقيدة
وعفة الغايات
وسماحة النيات
صلاح حسنية
مزمار القصيد ٨ / ١٠/ ٢٠٢٦