كتاب وشعراء

التمرد الإبداعي والخروج عن المألوف …بقلم يونس ناصف

غالباً ما ترتبط الفنون بالجنون عند أغلب الناس بوصفهما حالة من التمرد على القوالب الجاهزة والبعد عن قيود العقل والمنطق
العاقل يرى ويسمع الأشياء ويتحدث اللغة كما هي أما المبدع ومجنون الإبداع فيشتركان في القدرة على التقاط مفردات الواقع المعتاد وإعادة صياغتها بشكل غير مألوف يدهش الناس ويحرك خيالهم .
​هناك قصة لشخص وُصف بالجنون دُعي إلى وليمة طعام فبعد أن فرغ من طعامه وأراد أن يشكر صاحب الوليمة لم يجد في قواميس اللغة التقليدية ما يروي خياله وشعوره ليعبر عن شكره وامتنانه فارتجل خطبة صغيرة قال فيها:الحمد لله الذي عَنّبَ فَرَزَق، ومَشْمَشَ فَصَفّر، وبَطّخَ فَعَسّل وبَطْبَطَ فَسَمّن ودَجْدَجَ فَصَدر.. أحمده على الضرس الطحون والحلق البلوُع والمعدة الهضوم والغداء والعشاء، والفطور والسحور..وما إلى ذلك من كلمات عجيبة
​هذه القصة تُوضوح كيف يتعامل الشخص غير التقليدي مع أدواته ومحيطه ومنها اللغة لقد صنع لكل نوع من الفاكهة والطعام فعلاً مشتقاً منه فجعل من الدجاج دَجْدَجَ ومن المشمش مَشْمَشَ.
​العاقل صاحب المنطق قد لا يجرؤ على ابتداع مثل هذه التراكيب لأن القواعد تحدّه لكن هذا الخيال استغل ما يسمعه وما يشاهده في محيطه اليومي ليصيغ منه عالمه الخاص .
​إن المجنون هنا لم يخترع كلمات أو مفردات من العدم بل ​جمع ما تعلمه من مفردات اللغة والواقع اليومي و​أعاد تشكيلها وصياغتها وفقاً لحالته النفسية والمزاجية ​ابتكر لغة متمردة أو غير مبررة لكنها بليغة وثرية في سياقها العاطفي و الفني.
​هذه القصة تعكس تأثير الحالة الإبداعية والوجدانية على إعادة تشكيل الأشياء فالفنان السريالي الذي يبتكر كائنات خرافية لا تتصل بالواقع لم يخترع عناصر أو ألواناً جديدة بل يعيد ترتيب عناصر الطبيعة بشكل يصدم الوعي والكاتب لم يبتكر حروفاً أو كلمات لم تكن موجودة بل أعاد صياغتها وتوظيفها ليعطيها ظلالاً ومعاني لم تلحظها الناس من قبل وهكذا الموسيقى لم يخترع الأصوات بل أعاد توظيفها وتنسيقها مرة أخرى .
وكأن المبدع ينظر إلى العالم من داخله من خلال نفسه و يعيد ترتيبه وفق رؤيته الخاصة
الفنون جنون لأنها ترفض المألوف والتقليدي ولولا هذا الجنون الإبداعي أحيانًا لظل العالم مكاناً جافاً يسير على وتيرة واحدة ولظلت لغتنا مجرد أدوات جامدة للتواصل فقط بدلاً من أن تكون مساحة واسعة للدهشة والإبداع .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى