كتاب وشعراء

قمرٌ حر…بقلم طاهر عرابي

كان القمرُ قبل أن أكون،
يمرّ كأنّه خارج الزمن،
لا يحتاج إلى أن يثبت أنّه كان هنا،
ماضيه شذراتُ الحكايات،
ومستقبلُه يغلبُنا،
وأنا احتمالٌ مؤجَّل
في هواءٍ
لم يتعلّم اسمي بعد.

كلُّ الأسماء فراشاتٌ يتيمةٌ
لها مقامُ النداء.

وكأنّ النسيان
يمشي حافيًا في الممرّات،
يتعثّر بكلّ اسمٍ
لم يكتمل سقوطه بعد،
ويترك في الذاكرة
أثرَ ما لم يحدث.

وتتكشّف الحاجة للسكينة
حين يصير النومُ وجهًا آخر للغياب،
وأنتَ فيه
كلُّ ما لا يُفهم،
وكلُّ ما يتأخّر ليكتمل، من دونك.

حتى صار النسيانُ
ملكَ الفرار،
بلا حراسٍ ولا محكمة.

قررتُ ألّا أنسى،
فصار لي بيتٌ
كلّما ضاق بي، اتّسع،
كأنّه يُعيد ترتيب جسدي
على مهلٍ
ليتناسب مع غيابي.

أو لعلّ البيت هو الذي تذكّرني،
فأخذ ينتظرني بصبرٍ
لا يشبه أيَّ انتظار.

تراهم قرب فمي،
برتقالةٌ تحمل في فمها زيتونة،
وأمّي تعصر الزيتون بحجرٍ تركه جدّي الأول،
فكلُّ الذين ذهبوا،
كأنّهم لم يذهبوا بعيدًا
كي يفقدوا طعمهم.

ففمي وحده
يستعيد الحكاية عبر التاريخ،
ويحفظ الجهات
أكثر ممّا تحفظها الخرائط.

سأعثر على نفسي،
لا كمن يبحث عن اسمٍ ضائع،
بل كنافذةٍ
تتذكّر الضوء
حين ينسى طريقه إليها،
وعنواني
يمشي خلفي
دون أن ألتفت.

وعنواني مُلكٌ لا يُترك للعبث،
وأنا وعنواني
تحفّهما يدُ القدر
كما لو أنّهما صفحةٌ
تُعاد كتابتها كلَّ يوم،
لا لننجو
بل لنَبقى.

ولا تترك يديَّ
معلّقتين في فراغ الجسد،
كأنّهما ظلّان
نسيَا الباب الذي خرجا منه،
يمرّان على الأشياء
ولا تُمسكهما الأشياء.

كأنّهما لم تلمسا بابًا
أو نافذةً
أو وجهًا مرّ بي،
ثم أقام رؤيته
تحت شرفة الذكرى.

فتحتُ نافذةً،
فدخل شعاعٌ أبيض
لا يشبه البياض المعتاد،
ولا يميل إلى رمادٍ أو تعب.

كان كصوفِ خرافٍ خرجت للتوّ
من مطرٍ طويل،
نظيفًا أكثر ممّا ينبغي،
كأنّه لم يمرّ بالعالم بعد.

شرب شيئًا من وعاءٍ فارغ،
حتى بدا الفراغ ممتلئًا به،
ثمّ تسلّق الجدار
الذي أردتُ أن أرسم عليه مستقبلي:
قاربًا صغيرًا،
وبحرًا لا يسأل عن وجهته.

لكنّ غبار البيت استيقظ،
واعترض الضوء،
كما لو أنّه يعرفه منذ زمن،
ونَهَرَ المكانُ حين مرّ الشعاع فيه،
كأنّ التطهير نفسه
صار اقتحامًا.

وقفتُ بينهما،
لا حارسًا لأحد،
ولا مالكًا لشيء —
كيف لي أن أملك قمرًا أو غبارًا،
وأنا لا أشتهي
لنفسي خيوطًا لا تُهدى؟

وقلتُ لهما،
بصوتٍ يجرّ نفسه:
لا تنتظرا حكمي،
فالضوء يعرف طريقه
حتى لو انكسر بينكما،
وأنا
أقف في المنتصف
كأنّي لم أكن.

وكلُّ الذين ذهبوا
تركوا طعمًا أقربَ إلى البقاءِ
من أيِّ رحيل،
كأنّهم الضوء…
حين يتبدّلُ القمر،
حرٌّ في عيونِ ناظريه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى