كتاب وشعراء

أدب الاستعفاف جمالية النفس ورفعة الأخلاق …بقلم عماد خالد رحمة

يُعَدُّ أدبُ الاستعفاف من أسمى الآداب الإنسانية وأرفعها منزلةً؛ لأنه لا يتعلق بالسلوك الظاهر فحسب، بل ينبع من أعماق النفس التي تأبى الدنايا، وتترفّع عن مواطن الابتذال، وتؤثر الكرامة على الحاجة، والعزة على التذلل، والقناعة على الطمع. والاستعفاف في جوهره ليس امتناعاً سلبياً عن الأخذ، بل هو موقف أخلاقي واعٍ، يُجسِّد قوة الإرادة ونبل المقصد وسلامة الضمير.

والاستعفاف مشتق من العفّة، وهي الكفُّ عمّا لا يليق، وضبطُ النفس عند دواعي الشهوة أو الحاجة أو الرغبة. فإذا اقترن ذلك بطلب صيانة النفس وحفظ ماء الوجه سُمِّي استعفافاً، وهو خلق يجمع بين الطهارة الداخلية والسمو الاجتماعي، ويمنح صاحبه مهابةً لا تُشترى، وكرامةً لا تُستعار.

ولقد احتفى التراث العربي والإسلامي بهذا الأدب احتفاءً عظيماً، فجعله من دلائل المروءة وكمال الرجولة ونبل الإنسانية. فالمستعفف ليس فقيراً بالضرورة، ولا محتاجاً دائماً، وإنما هو إنسان يملك زمام نفسه، فلا يجعل حاجته سلعةً للشكوى، ولا فاقته وسيلةً لاستدرار العطف، ولا ضعفه مطيةً للتكسب بكرامته.

ومن أروع صور الاستعفاف أن يضيق العيش بالمرء، فتظل ابتسامته مشرقة، ويشتد عليه البلاء، فيبقى لسانه عفيفاً عن التذمر، وقلبه عامراً بالرضا. فالاستعفاف ليس إنكاراً للحاجة، بل هو حسن إدارتها، وليس كتماناً للألم، بل تهذيبٌ للتعبير عنه.

وقد خلّد الشعر العربي هذا المعنى في كثير من نصوصه، فكان الشعراء يرون أن الجوع مع الكرامة أهون من الشبع مع المذلة، وأن اليد الخالية أكرم من يدٍ امتلأت بما يُنتقص معه قدر صاحبها. ولهذا ارتبط الاستعفاف بالمروءة والأنفة وعزة النفس، وهي قيم شكلت ركائز الشخصية العربية في أبهى صورها.

والاستعفاف لا يقتصر على المال، بل يشمل استعفاف المشاعر، واستعفاف اللسان، واستعفاف الفكر. فكم من إنسانٍ استعف عن الخوض في أعراض الناس فارتفع قدره، واستعف عن تتبع عيوبهم فسلم قلبه، واستعف عن التعلق بما ليس له فعاش حراً من قيود الحسد والطمع.

وفي زمنٍ كثرت فيه مظاهر الاستعراض والشكوى والإفصاح المفرط عن الخصوصيات، تزداد الحاجة إلى إحياء أدب الاستعفاف بوصفه ثقافةً أخلاقيةً تحمي الإنسان من الارتهان لنظرات الآخرين، وتمنحه استقلالاً روحياً يجعله أقوى من ظروفه، وأغنى من حاجاته، وأسمى من رغباته العابرة.

فالاستعفاف في حقيقته ليس فقراً في اليد، بل غنىً في النفس؛ وليس حرماناً من الأشياء، بل تحرراً من سلطانها. ومن امتلك هذه الفضيلة عاش عزيزاً وإن قلّ ماله، مهيباً وإن غاب جاهه، مطمئناً لأنه أدرك أن كرامة الإنسان أثمن من كل مكسب، وأن النفس إذا سمت عن الدنايا صارت أغنى من كنوز الأرض جميعاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى