كتاب وشعراء

قراءة في قصيدة “جريمة موصوفة” للشاعر الحبيب المبروك الزيطاري.. بقلم الأديب والناقد: عمار بلخضرة

جريمة موصوفة
شعر: الحبيب المبروك الزيطاري

وتقولُ لي: أَوَما عرفتَ ظُروفي؟
إنْ لُمتُها وسألتُ بالمعروفِ
​تَبكي وتُدمعُ عَينَها ببراعةٍ
لتُوارِيَ المَكشوف بالمَكشوفِ
​وأنا لَأعلم منْ يكونُ رفيقُها
وشريكُها في جُرمها المَوصوفِ
​تُبدي الطّهارة والخِداعُ شِعارُها
وتَصوغ أطناناً من التَّخريفِ
​ظنَّتْ بِأنِّي لستُ أعرفُ دورَها
بمُسلسل التَّمثيل والتَّأليفِ
​يا منْ نثرتِ على التُّراب غَرامَنا
ورَدَمتِه بِمَعاوِل التَّزييفِ
​شَطَّبتُ رَسمَكِ من جميع دَفاتري
وأزلتُ واو العطفِ والمعطوفِ
​خيّبتِ ظنِّي فانتهيتِ فقيدةً
كضمير هاء الغائبِ المَحذوفِ

تنتمي قصيدة «جريمة موصوفة» إلى الشعر الوجداني الذي يتخذ من تجربة الخيبة العاطفية منطلقاً للكشف عن أبعاد نفسية وأخلاقية عميقة. فالشاعر لا يكتفي بالتعبير عن ألم الفراق أو الحسرة على ضياع الحب، وإنما يبني نصّه على موقف اتهامي واضح، يجعل من الطرف الآخر متهماً في «جريمة» معنوية قوامها الخداع والتزييف والتنكُّر للمشاعر الصادقة. ومنذ العنوان يختار الشاعر معجماً قانونياً صارماً، إذ إنَّ عبارة «جريمة موصوفة» تحيل إلى فعل ثابت الأركان، واضح الأدلة، لا يقبل التأويل أو التبرير، وهو ما يهيِّئ القارئ للدخول في عالم من المواجهة وكشف الأقنعة.

يبدأ النص بحوار ضمني بين الشاعر ومحبوبته، إذ تنطق بعبارة تحمل طابع الدفاع عن النفس: «أوَما عرفتَ ظروفي؟»، وكأنها تسعى إلى تبرير ما صدر عنها وإيجاد الأعذار لسلوكها. غير أن الشاعر يقابل هذا التبرير بنبرة تشكيك واضحة، فلا يتعامل مع «الظروف» بوصفها حقيقة موضوعية، بل يراها مجرد ذريعة للهروب من المسؤولية. ومن هنا يتأسَّس الصراع الرئيس في القصيدة بين الحقيقة التي يدّعي الشاعر امتلاكها وبين الصورة التي تحاول المرأة تقديمها عن نفسها.

ويتعمَّق الصراع حين ينتقل الشاعر إلى وصف بكائها، فلا يقدِّمه بوصفه تعبيراً صادقاً عن الندم أو الألم، بل باعتباره فعلاً تمثيلياً متقناً. فالفعل «تبكي» يكتسب دلالة مختلفة عندما يُقرن بعبارة «ببراعة»، لأن البراعة ترتبط عادة بالإتقان الفني لا بالعفوية الشعورية. وهكذا يتحوَّل البكاء من علامة صدق إلى أداة خداع، وتصبح الدموع جزءاً من مشهد مسرحي هدفه التغطية على الحقيقة. وتبلغ الصورة ذروتها في قوله: «لتواري المكشوف بالمكشوف»، وهي صورة تقوم على مفارقة لافتة؛ إذ لا يمكن منطقياً إخفاء أمر مكشوف بشيء مكشوف مثله، ما يوحي بأن محاولات التضليل أصبحت من الوضوح بحيث لم تعد قادرة حتى على ستر نفسها.

ويعزِّز الشاعر موقفه من خلال تأكيد يقينه بالحقيقة حين يصرِّح بمعرفته «رفيقها» و«شريكها في جرمها الموصوف». وليس المقصود هنا بالضرورة شريكاً محدداً في علاقة عاطفية، بل يمكن أن يُفهم الشريك على نحو رمزي بوصفه كل ما ساهم في الخيانة أو الزيف أو المؤامرة على الحب. ويمنح هذا التصريح المتكلم سلطة معرفية وأخلاقية داخل النص؛ فهو ليس ضحية ساذجة اكتشفت الحقيقة متأخرة، بل شخص واعٍ يدرك تفاصيل ما جرى، ويواجه الطرف الآخر من موقع اليقين لا من موقع الشك.

وتستمر القصيدة في رسم صورة المرأة من خلال ثنائية متقابلة هي الطهارة والخداع. فهي «تبدي الطهارة» بينما «الخداع شعارها». وهذه المفارقة بين الظاهر والباطن تشكِّل أحد المحاور الأساسية للنص كله. فالمشكلة ليست في الخطأ ذاته، بل في محاولة تجميله وتغليفه بمظاهر البراءة. ولذلك تأتي عبارة «وتصوغ أطناناً من التخريف» لتكشف عن تراكم الأكاذيب وتشعبها، حيث يوظف الشاعر لفظ «أطناناً» للمبالغة في تصوير حجم التبريرات والأوهام التي نسجتها المحبوبة لتدعيم روايتها.

ومن الناحية النفسية، تكشف الأبيات اللاحقة عن شعور الشاعر بالإهانة الناتجة عن استهانة الطرف الآخر بوعيه وإدراكه. فقوله: «ظنت بأني لست أعرف دورها بمسلسل التمثيل والتأليف» يدل على أن الألم لا ينبع فقط من الخيانة، بل أيضاً من محاولة استغفاله. وهنا يستثمر الشاعر معجم الفن الدرامي، فيشبه ما جرى بمسلسل قائم على التمثيل والتأليف، وكأن الواقع كله تحوَّل إلى عمل مصطنع تؤدي فيه المرأة دوراً مكتوباً مسبقاً. ويؤكِّد هذا التصوير فكرة الزيف التي تتكرَّر في مختلف أنحاء القصيدة وتمنحها وحدتها الموضوعية.

وعندما يبلغ النص مرحلة المواجهة النهائية، ينتقل من كشف الخداع إلى إعلان القطيعة. ففي قوله: «يا من نثرتِ على التراب غرامنا وردمتِه بمعاول التزييف» تتجسد العلاقة العاطفية في صورة بناء أو كائن حي جرى دفنه عمداً. فالغرام لم يمت بفعل الزمن أو الظروف، بل قُتل بفعل «معاول التزييف»، وهي صورة عنيفة توحي بالفعل المتعمّد والقصد الواضح. ومن ثم يصبح الحبُّ ضحية أخرى من ضحايا هذه «الجريمة» التي يشير إليها العنوان.

ويأتي البيت التالي ليعلن محو آثار العلاقة محواً كاملاً: «شطبت رسمك من جميع دفاتري». فالدفاتر هنا ليست مجرد أوراق، بل هي رمز للذاكرة والسيرة الشخصية والتجارب المشتركة. أما قوله: «وأزلت واو العطف والمعطوف» فيمثل واحدة من أجمل الصور الفنية في القصيدة؛ إذ يستعير من النحو رمزاً للعلاقة والارتباط. فواو العطف هي التي تجمع بين شيئين، وحذفها يعني فك الرابطة وإلغاء المشاركة، وكأن الشاعر لا يكتفي بمحو الاسم، بل يمحو حتى الأداة التي كانت تجمع بينه وبين محبوبته.

وتبلغ القصيدة ذروتها الفنية والدلالية في خاتمتها: «خيَّبت ظنِّي فانتهيت فقيدةً كضمير هاء الغائب المحذوف». ففي هذا التشبيه تتجسَّد القطيعة النهائية بأبهى صورها. فالمحبوبة لم تعد حاضرة في عالم الشاعر، بل أصبحت كضمير محذوف لا يُنطق ولا يظهر في الكلام. ويتميَّز التصوير بقدرته على الجمع بين الثقافة اللغوية والتجربة الشعورية؛ إذ يتحوَّل مفهوم نحوي مجرَّد إلى صورة مؤثِّرة تُعبِّر عن الإلغاء الكامل من الذاكرة والوجدان. كما أنَّ اختيار «هاء الغائب» تحديداً يحمل دلالة إضافيَّة، لأنَّها ترمز إلى البعد والانفصال، فإذا كانت غائبة أصلاً ثم حُذفت، فإنَّها تبلغ أقصى درجات التواري والاختفاء.

وعلى المستوى الفني، تتَّسم القصيدة بوحدة موضوعيَّة واضحة، إذ تدور جميع صورها حول ثنائية الحقيقة والزيف، وتستثمر حقولاً معجمية متعددة – قانونية ودرامية ونحوية ـ لخدمة هذه الفكرة المركزية. كما يلاحظ حضور لغة مباشرة نسبياً، لكنها لا تخلو من صور مبتكرة واستعارات موفقة تمنح النص طاقته التعبيرية. وقد نجح الشاعر في بناء تصاعد شعوري يبدأ بالاستفهام واللوم، ثم يمرُّ بكشف الخداع وفضحه، لينتهي بالحكم النهائي والقطيعة التامة.

وبذلك تبدو «جريمة موصوفة» نصَّاً لا يتحدَّث عن نهاية علاقة عاطفية فحسب، بل عن سقوط الثقة وانهيار الصورة المثالية التي رسمها الإنسان لمن أحب. فالجريمة الحقيقية في منظور الشاعر ليست الرحيل وحده، وإنما التزييف الذي سبق الرحيل، والخداع الذي حاول أن يتخفَّى.

بقلم الأديب والناقد: عمار بلخضرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى