
في المقهى المهجور إلَّا من خُطَا الراحلين، أشرت للنادل: صُبَّ لي ملامحه.
وضع الفنجان الثاني مقلوباً وقال: يا سيِّدي، نحن نبيع اليقظة، ولا نملك مصلاً للوهم.
قلت: صُبَّه إذن خيط دخان، أتحسَّس به دفء الأنفاس التي تجمَّدت في غبار الخطوات.
انحنى النادل، سكب الهواء في جوف الفنجان، وهمس مستأذنا: تركت لك طيفاً لا يُشغل حيِّزاً، ولا يسدُّ رمقاً.. لكن حذارِ، فالأطياف تمتصُّ عافية الفناجين.
لملمت معطفي والشارع يبتلع ما تبقَّى منِّي، تاركاً خلفي فنجانين: أحدهما بارد من انتظار صاحبه، والآخر بارد.. لأنَّه لم يكن يوماً هناك.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي