
لم يكن الأستاذ ناصر مجرد معلم في المدرسة الثانوية.
كان الرجل الذي كان يشتري الكتب للطلاب الفقراء من راتبه ، ويعود إلى بيته أحيانًا بلا مال لأنه أعطى ما في جيبه لأحدهم.
كان يقول دائمًا :
” إذا ضاع العلم ضاع الإنسان ” .
ولهذا أفنى عمره كله بين الجدران القديمة للمدرسة .
خمسة وأربعون عامًا وهو يقف أمام الطلاب ، حتى انحنى ظهره ، واشتعل رأسه شيبًا .
ثم جاء يوم التقاعد ، حمل صندوقًا صغيرًا فيه بعض الأقلام وصورًا قديمة لطلابه ، ثم صافح الجميع ورحل بهدوء .
كما يرحل الضوء عند الغروب .
مرت سنتان .
وفي مساء شتوي بارد ، كان المطر ينزل كأنه حزن قديم .
خرج أحمد من عمله متجهًا إلى المنزل .
وعند إحدى الإشارات المرورية لمح رجلًا عجوزًا يرتجف من البرد .
كان يحمل علبة مناديل ويقترب من السيارات .
شيء ما في ملامحه كان مألوفًا .
اقترب أكثر ، ثم توقف قلبه للحظة .
” أستاذ ناصر ؟ ”
رفع الرجل رأسه ببطء .
نظر إليه .
وحاول أن يبتسم.
لكن الابتسامة كانت موجعة أكثر من البكاء ، لم يعرف أحمد ماذا يقول .
هذا الرجل الذي كان يقف شامخًا أمام مئات الطلاب أصبح يقف تحت المطر يستجدي من الناس أن يشتروا منه علبة مناديل .
سأله بصوت مرتعش :
” ماذا حدث لك يا أستاذ ؟ ”
خفض الرجل عينيه .
وقال :
” لا شيء يا بني … ”
ثم سكت قليلًا .
وأضاف :
” فقط… كبرت ” .
كانت الجملة قصيرة ، لكنها مزقت قلب أحمد .
أصر أن يوصله إلى منزله .
وافق الأستاذ بعد تردد .
وصلا إلى بيت متواضع في أحد الأحياء القديمة .
فتح الباب .
فدخل أحمد .
وهناك شعر أن الدنيا كلها سقطت فوق رأسه.
غرفة صغيرة ، جدران متشققة ، سرير حديدي قديم ، ومدفأة معطلة .
وصور باهتة معلقة على الحائط.
كانت صور دفعات من الطلاب.
عشرات الصور ، ومئات الوجوه .
كلها كانت تبتسم ، أما صاحبها فكان يعيش وحيدًا .
لفت انتباه أحمد طبق موضوع على الطاولة.
فيه قطعة خبز يابسة وكوب ماء فقط .
سأله :
” هل هذا عشاءك ؟ ”
حاول الأستاذ أن يغير الموضوع .
لكن عينيه فضحتاه .
فهم أحمد كل شيء.
لم يكن يبيع المناديل ليعيش بكرامة فقط ، بل ليبقى حيًا .
وقبل أن يغادر سمع صوت سعال قوي .
ركض نحوه .
فوجد الأستاذ يضع يده على صدره ويتألم .
نقله إلى المستشفى فورًا .
وبعد الفحوصات أخبرهم الطبيب أن قلبه متعب جدًا ، وأنه أهمل علاجه منذ أشهر لأنه لا يملك ثمن الدواء .
في تلك الليلة لم ينم أحمد .
ظل يبكي ، ليس لأن أستاذه فقير .
بل لأن الرجل الذي صنع مستقبل آلاف الأشخاص لم يجد بينهم من يسأل عنه .
في الصباح بدأ يبحث عن طلابه القدامى .
خلال أيام جمع المئات ، ثم الآلاف .
وأخبرهم الحقيقة .
أرسل لهم صورة الأستاذ وهو يبيع المناديل تحت المطر .
فبكى الجميع .
بعضهم لم يرَه منذ عشرين عامًا ، لكنهم جميعًا تذكروا كيف كان يقف إلى جانبهم عندما تعجز الدنيا عن الوقوف معهم.
قرروا إقامة حفل مفاجئ له .
لكن القدر كان أسرع .
قبل موعد الحفل بيوم واحد فقط …
رن هاتف أحمد.
كان المستشفى.
وصل مسرعًا ، ودخل الغرفة .
وجد الأستاذ ناصر مستلقيًا بهدوء ، وجهه شاحب ، وعيناه نصف مفتوحتين .
اقترب منه.
أمسك يده.
فابتسم الأستاذ بصعوبة ، وقال بصوت خافت :
” هل تعلم يا أحمد … ؟ ”
” ما زلت أحفظ أسماء معظمكم ” .
ثم سكت قليلًا.
وأضاف :
” كنت أنتظر فقط أن أراكم مرة أخرى … ”
وانزلقت دمعة من عينه.
ثم همس :
” قل لهم … إنني فخور بهم ” .
كانت آخر كلماته .
في يوم جنازته حدث شيء لم تشهده المدينة من قبل ، آلاف الرجال والنساء حضروا .
أطباء ومهندسون ومعلمون وضباط .
كلهم كانوا طلابه .
كلهم جاءوا يبكون الرجل الذي علّمهم كيف يكتبون أحلامهم .
لكنهم تأخروا في قراءة حزنه .
وبعد دفنه …
وقف أحمد أمام قبره ووضع فوقه علبة مناديل صغيرة .
ثم قال وهو يبكي :
” سامحنا يا أستاذ … لقد علمتنا كيف ننجح في الحياة …
لكننا فشلنا في أن نكون بجانبك في آخرها ” .
وكان ذلك الندم أثقل من التراب الذي غطى القبر ، لأن بعض الأشخاص لا ندرك قيمتهم الحقيقية …
إلا عندما يصبح الشكر لهم متأخرًا جدًا .