كتاب وشعراء

رماد الضوء الأزرق…بقلم: أ. حسناوي سيلمي

كانت القرية المعلقة على كتف الجبل تنام في حضن الغيم، بيوتها مشيدة من طين دافئ يتنفس الصبح، ونوافذها مشرعة للريح والضوء والتحايا العابرة. في تلك الأيام، كان الإنسان يمتد في أخيه، وكان الصوت جسراً يعبره الشوق، والملامح كتاباً مفتوحاً يقرأ فيه الجار تاريخ جاره بلمحة عين. كانت الحياة قاسية في تضاريسها، لكنها كانت ناعمة في أواصرها، إذ كان الناس يتقاسمون رغيف الخبز والشكوى والأغنيات.

ثم، وذات خريف باهت، هبطت على القرية غيمة من نوع آخر؛ غيمة معدنية باردة تسمى “التحول الرقمي”. لم تأتِ بالرعد، بل بالصمت. دخلت الأجهزة الصغيرة ذات الشاشات المصقولة إلى البيوت كآلهة صامتة، فاستبدل الناس تراب الأرض ببلور الزجاج، وتحول الوجود من ضوضاء الأجساد الحية إلى سكون الإشارات الضوئية. لقد أصيبت الروح الجماعية بوجع الافتراضية والعزلة الحديثة.

في بيت المنسي ، كان الصمت يورق كعشبة سامة في زوايا الغرفة. كان الشيخ يجلس في شرفته، يرقب المساء وهو يذوب في الأفق، باحثاً عن عين تلتقي بعينه، أو صوت يشاركه دهشة الغروب. لكن ابنه شابّ غاص في محيط شاشته، يطارد ظلالاً لا أجساد لها، ويجمع إعجابات من عابرين في قارات أخرى، في حين تنام أخته في الزاوية المقابلة، تخيط لنفسها هويات مستعارة من خيوط الضوء الأزرق.

هنا، تجلى الانقلاب المرّ لهذا العصر: أصبح الإنسان أكثر اتصالاً بالكون، وأكثر انفصالاً عن أخيه الذي يشاطره الوسادة. تحولت الكلمات، التي كانت تولد من عمق الصدر محملة بالدفء والارتعاش، إلى مجرد رموز صماء تطفو على سطح الزجاج. غدا القرب الجغرافي مجرد وهم، والبعد الافتراضي هو الحقيقة الوحيدة السائدة. لقد سجن الإنسان روحه في صندوق أسود صغير، ظناً منه أنه يملك العالم، ولم يدرك أن العالم هو من بات يملكه.

ونقطة التحول حدثت في ليلة شتوية عاصفة. ضربت صاعقة قوية محول الكهرباء الرئيسي، فانقطع التيار تماماً، ومعه توقفت شبكة الإنترنت. دام انقطاع الكهرباء لساعات طوال، وكأن الزمن قرر أن يمنحهم مهلة كافية لترميم ما هدمته السنوات. لم تكن عتمة تلك الليلة عقاباً، بل كانت غطاءً دافئاً يستر عورات غيابهم الطويل، ويفسح المجال للوجوه أن تتجلى في حقيقتها الأولى دون رتوش ضوئية.

أشعل الأب شمعة ووضعها في منتصف الطاولة. تلاقت الأعين لأول مرة منذ أشهر طويلة دون حواجز زجاجية. تنحنح الشيخ، فتردد صدى صوته في الغرفة كأنه آتٍ من معبد قديم، وقال: “يا بني، إن الشاشة نافذة تريك العالم، لكنها جدار يحجب عنك من يجلس بجانبك. لقد استبدلنا الطين بالزجاج، فنبتت في قلوبنا قسوة البلور.”

في تلك الساعات الممتدة، تلاقت الأرواح قبل الأعين. بكت الابنة بكاءً طهّر روحها من زيف الصور وفلاتر الإعجابات، فانسابت دموعها كأول مطر يحيي أرضاً مواتاً؛ لم يكن حزناً على غياب الشبكة، بل كان فيضاً لروح عثرت أخيراً على مجراها الطبيعي بعد جفاف طويل. وأما الابن، فقد تملكه صمت مهيب؛ نظر إلى هاتفه المنطفئ في كفه كأنه جثة هامدة لجلاد استعبده طويلًا، فتركه يسقط من يده دون مبالاة، ثم مد يده المرتجفة نحو كف أبيه المحفورة بأخاديد السنين والعمل، وقبّلها طويلًا في إشارة صامتة إلى العودة إلى دفء الطين الأول.

استمرت العتمة، ومعها تدفقت الحكايات. جلس الأب يروي لهما عن أجدادهم، وكيف كان الضوء يشع من القلوب لا من المصابيح. وتحدثت الأم عن أحلامها القديمة التي نسيتها في ركام التصفح اليومي. وفي تلك الليلة، اكتشف الشابان أن صوت أمهما وهو يغني لحناً قديماً، أوسع مدى وأجمل لحناً من كل فضاءات الإنترنت.

ومع تباشير الفجر الأولى، عاد التيار الكهربائي فجأة، فارتجت الغرفة بوميض الشاشات التي استيقظت دفعة واحدة، وزمجرت الإشعارات المتلاحقة كأصوات طبول تدعو الهاربين للعودة إلى زنازينهم الاختيارية.

في تلك اللحظة، حدث الارتداد المنطقي؛ فقد كان للزجاج جاذبية مغناطيسية لا تقاوم. تشنجت أصابع الابن، وتحركت يده نحو هاتفه بحكم العادة واللاوعي، شعر برغبة عارمة في تفقد ما فاته، واهتزت الابنة داخلياً وهي تسمع نغمات التنبيهات التي تلاحق عزلتها الفنية. لم يكن الشفاء معجزة هبطت في ليلة، بل كان مواجهة شرسة مع “الذات الرقمية”.

نظر الأب إلى حركة يدي ابنه المترددة، ولم يوبخه، بل وضع كفه الدافئة فوق يد الابن برفق، كأنه يثبته على الأرض. التفت الأعين مجدداً، وكان في عيني الابن صراع مرير بين نداء العالم الوهمي السهل، ونداء الحقيقة الصعب. تراجع الابن خطوة إلى الوراء، وتنفست الابنة الصعداء وهي تترك هاتفها يرمش وحيداً على الطاولة.

لم يتغيروا كلياً، فالإدمان لا يزول بانقطاع كهرباء عابر، لكن الصدع قد حدث في جدار العزلة. تقدموا نحو الشرفة، ووقفوا يتأملون الفجر بجوارح واهنة صامتة، يدركون أن طريق العودة إلى “الحياة الواقعية” سيكون طويلاً، شاقاً، ومليئاً بالانتكاسات، لكنهم خطوا فيه -على الأقل- الخطوة الأولى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى