تقارير وتحقيقات

“المجزرة” التي لم تقع في البيت الأبيض بين تحولات التطرف اليميني ومعاداة اللوبي الصهيوني .. لماذا تجاهل الإعلام الأمريكي أحدث مخطط لاغتيال ترمب؟

كتب:هاني الكنيسي
لم تحظَ واقعة إحباط مخطط اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وعدد من كبار مسؤولي إدارته، خلال احتفالية الألعاب القتاليّة UFC في البيت الأبيض قبل أسبوعين، بالزخم الإعلامي الذي يتناسب مع خطورتها، رغم ما كشفته وثائق قضائية أمريكية من تفاصيل صادمة حول شبكة يمينية متطرفة معادية للنفوذ الصهيوني. وهو ما يطرح تساؤلات حول “انتقائية” التغطية الإعلامية حين لا يكون الفاعل أو المتهم من الخصوم “المرغوب في شيطنتهم”؛ مثل عملاء لإيران أو تنظيم داعش أو حتى أي مسلم أو عربي جاحد.
القصة الدرامية، بحسب ملفات المحكمة الأمريكية، بدأت من بلدة صغيرة في ولاية أوهايو، حيث عاش الشاب ‘تايسن بروبر’ Tyson Proper البالغ من العمر 19 عاماً، حياة روتينية إلى أن حصل على ثلاثة آلاف دولار من عائلته كهدية تخرجه من المدرسة الثانوية، فقرر أن يشتري بندقية هجومية وآلاف الطلقات النارية وسترة واقية، بينما كان يمضّي ساعات على هاتفه في التخطيط للعملية، مع مجموعة شبان تعرّف إليهم عبر تطبيق TikTok.
وبحسب إفادة خطية أُرفقت بملف القضية، لاحظت والدة ‘بروبر’ تغيراً واضحاً في سلوك ابنها. إذ كان “يقضي وقتاً طويلاً في دراسة خرائط العاصمة واشنطن”، ويتحدث عن “مشروع خاص”، ما دفع الأسرة في النهاية إلى إبلاغ الشرطة خشية تورطه في مصيبة.
وما بدأ كدردشة على ‘تيك توك’ سرعان ما انتقل إلى تطبيقات مشفرة مثل Signal وSimpleX، حيث أسس أفراد المجموعة غرفاً مغلقة، وصنفوا أنفسهم إلى “مستويات” وفق درجة الاستعداد للمخاطرة، ونظموا تدريبات ميدانية وتكتيكية، استعداداً لتنفيذ عملية وصفها أحد المشاركين لاحقاً بعبارة: “a fucking bloodbath”، أي “مجزرة دموية”.
ووفقاً لوزارة العدل الأمريكية، فقد ضم المخطط ما لا يقل عن 19 شخصاً، أُلقي القبض على ثمانية منهم حتى الآن، وجميعهم تقريباً في العشرينيات أو أوائل الثلاثينيات من العمر.
أما السيناريو الذي رسمته المجموعة لتنفيذ العملية، فبدا أقرب إلى “فيلم أكشن”. إذ نصت الخطة على تنظيم مظاهرة بالقرب من البيت الأبيض لتشتيت انتباه قوات الأمن، ثم استهداف فعالية UFC التي يحضرها ترمب وعدد من كبار المسؤولين الأمريكيين بواسطة طائرات مسيرة محملة بالمتفجرات. وفور انتشار الذعر، كان من المفترض أن يفر الحضور نحو منطقة ينتظر فيها قناصة لتصفية “أهداف عالية القيمة”، قبل أن تتبع ذلك “موجة ثانية” تقتحم البيت الأبيض مستغلة حالة الفوضى.
البعض علّل خفوت الاهتمام الإعلامي والشعبي الأمريكي بهذه الواقعة الدرامية في كل تفاصيلها، بكونها تزامنت مع أحداث كبرى خارجيا وداخليا: التصعيد مع إيران وبطولة كأس العالم. لكن ثمة سبب آخر أكثر تعقيداً ودلالة: جميع المتهمين ينتمون إلى اليمين المتطرف، ومع ذلك استهدفوا رئيساً جمهورياً (يمينيا بامتياز)، واعتمدوا في اختيار أهدافهم على موقع إلكتروني يساري يتتبع السياسيين المرتبطين بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC (أكبر لوبي صهيوني في الولايات المتحدة)، ما يعكس أن غضبهم كان موجهاً أيضاً ضد النفوذ اليهودي في بلادهم أو ضد التحالف العضوي بين إدارة ترمب وإسرائيل.
الإدارة الأمريكية نفسها بدت متخبطة في توصيف الحادثة. فبينما أشاد البيت الأبيض بدور مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI في إحباط المخطط، قلّل نائب الرئيس ‘جي دي فانس’ من خطورته قائلاً: “المخطط لم يكن قد وصل إلى مرحلة متقدمة، ولم يقطع المتورطون فيه شوطاً كبيراً. أتفهم لماذا أثارت القضية كل هذا الاهتمام، لكن، لحسن الحظ، لدينا أجهزة أمنية تتمتع بكفاءة عالية”.
وفي المقابل، حاولت بعض وسائل الإعلام “المحافظة” تصوير المتهمين باعتبارهم امتداداً لليسار الأمريكي، مستندة إلى تبني بعضهم نظريات مؤامرة مرتبطة بقضية الملياردير المشبوه ‘جيفري إبستين’، وهو ما اعتبره عديد المراقبين طرحاً مضللاً وسطحيا ومسيّساً.
فيرى الخبير في شؤون التطرف ‘مايكل إديسون هايدن’ أن ما يبدو “تناقضاً أيديولوجياً” هو في الواقع منسجم تماماً داخل بيئة اليمين المتطرف، حيث تتداخل معاداة الحكومة مع أفكار “النخب الفاسدة”، ومعاداة السامية، وما يعرف بالفكر التسارعي (Accelerationism)، الذي يقوم على تسريع انهيار النظام السياسي عبر نشر الفوضى والعنف.
وتشير التحقيقات إلى أن ‘بروبر’ كان معجباً بأدولف هتلر، بينما كان المتهم ‘مايكل آلان توماس’ (32 عاماً)، يؤمن بأن الحكومة الأمريكية تديرها “نخبة فاسدة” تضحي بالأطفال وتتستر على جرائم ‘إبستين’، محملاً اليهود وإسرائيل جانباً من المسؤولية عن “فساد النظام” وعن الحرب مع إيران، ومعتبراً أن تنفيذ الهجوم سيعجل بقيام “ثورة أمريكية ثانية”.
لكن الصحافي المعروف ‘جوناثان لارسن’ يعتقد أن الرواية الرسمية أغفلت عنصراً بالغ الأهمية، يتمثل في “التطرف المسيحي”. إذ أبلغت والدة ‘بروبر’ المحققين بأن ابنها أصبح “أكثر تديناً” خلال الأشهر الأخيرة، وانخرط مع مجموعة تقدم نفسها على أنها تضم “عسكريين سابقين”، وتتبنى خطاباً دينياً متشدداً ومعادياً للحكومة.
ووفق التحقيقات، استخدمت المجموعة مفردات دينية مثل “الرعاة” و”عرين الأسود”، وروجت لفكرة وجود قوى شيطانية تستهدف الأطفال، وهي أفكار تتقاطع مع حركة QAnon ونظريات المؤامرة التي أعادت إنتاج سرديات قديمة معادية لليهود بصيغ حديثة. كما عثر المحققون على مذكرات كتبها بروبر يتحدث فيها عن حكومة تسعى للسيطرة على البشر وتقديم الأطفال قرابين لقوى شيطانية.
أما الباحث ‘ماثيو دي تايلور’، المتخصص في القومية المسيحية، فيصف ما يجري بأنه “حرب أهلية أيديولوجية داخل اليمين الأمريكي”. ويشرح أن هناك جناحين متصارعين: الأول يمثل اليمين الإنجيلي المتحالف مع ترامب والمؤيد لما يعرف بـ”الصهيونية المسيحية”، والثاني تيار انعزالي يشعر بأن حركة MAGA خانت شعار “أمريكا أولاً”، ويرى أن دعم إسرائيل جرّ الولايات المتحدة إلى صراعات خارجية لا تخدم مصالحها.
ويعتبر تايلور أن الحرب في غزة ثم التصعيد مع إيران شكلا نقطة تحول حاسمة داخل هذه الأوساط، قائلاً إن الأزمة الإيرانية كانت “القشة التي قصمت ظهر البعير”. وموضحاً أن ترمب أخطأ في تقدير موقف قاعدته المحافظة عندما ظن أن الإنجيليين سيدعمون تلقائياً أي مواجهة مع إيران، فيقول: “أعتقد أن ترمب، عندما قرر المضي نحو التصعيد مع إيران، أساء إلى حد كبير تقدير المشهد، وظنّ أن الإنجيليين سيحبونه بسبب هذه الخطوة وسيؤيدونه بلا تحفظ”.
ورغم أن السلطات وصفت المخطط بأنه “بدائي” نسبياً لأنه أُحبط قبل وصول المنفذين إلى واشنطن، فإن امتلاك المتهمين كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر يكشف عن اتساع ظاهرة التطرف المحلي.
ويحذر ‘تايلور’ قائلاً: “لا أظن أن هذه المجموعة من الشبان حالة فريدة من نوعها… فهناك، على الأرجح، آلاف الأشخاص الذين يُستقطبون إلى جماعات متطرفة مشابهة”.
وتنسجم هذه القضية مع تحذيرات رسمية صادرة عن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بين عامي 2023 و2025، والتي اعتبرت أن “أخطر تهديد للأمن الداخلي الأمريكي يتمثل في التطرف اليميني العنيف”، ولا سيما الشبكات اللامركزية و”الذئاب المنفردة” التي تتشكل عبر الإنترنت.
كما خلصت دراسات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن الهجمات ذات الدوافع اليمينية شكلت النسبة الأكبر من حوادث الإرهاب الداخلي في الولايات المتحدة خلال العقد الأخير.
وبناءً على ما تقدم، فإن محاولة اغتيال ترمب -بحسب تفاصيلها في التحقيقات القضائية- لم تكن مجرد مؤامرة معزولة أحبطتها السلطات في الوقت المناسب، بل نافذة تكشف حجم التحولات التي يشهدها اليمين الأمريكي المتطرف في عهد ترمب. فلم يعد العنف موجهاً فقط ضد الخصوم التقليديين، وإنما بات يرتد إلى الداخل، مستهدفاً رموز السلطة نفسها. وهو ما يصفه محللون مخضرمون بأنه “صراع أيديولوجي انشطاري”، يتجاوز الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، ويعيد رسم خريطة التطرف السياسي في الولايات المتحدة .. وفي قلب هذه المعادلة، نظرة جديدة من أجيال اليمين الأحدث إلي النفوذ اليهودي الصهيوني داخل بلادهم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى