تقارير وتحقيقات

شرق أوسط “ثلاثي” التحالفات: كيف تُرسم الخريطة الجديدة بريشة الحرب الأمريكية الإيرانية؟

كتب:هاني الكنيسي
تحت عنوان ?Where the New Middle East Order Stands Today “أين يقف نظام الشرق الأوسط الجديد اليوم؟”، طرحت مجلة ‘نيوزويك’ Newsweek الأمريكية، قراءة تحليلية عميقة لمشهد المنطقة التي تعيش على حواف صدوع جيوسياسية عمّقتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، وما تلاها من محاولات -لا تزال متعثرة- للتوصل إلى اتفاق سلام يتجاوز في ديمومته ما يسمّى بـ”التفاهمات” (السياسية والاقتصادية وحتى النووية).
يبدأ التحليل (الجدير بالمطالعة) بالعودة إلى مفاجأة هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب (إبادة) إسرائيلية على غزة سرعان ما امتدّت إلى جبهات الإسناد المدعومة إيرانيا، في لبنان واليمن والعراق حتى وصلت إلى قلب طهران.
فيرى الكاتب أن هذا التخمر العسكري هزّ التحالفات التقليدية في المنطقة الملتهبة، وأفرز واقعاً جديداً يعيد تشكيل الكتل أو المحاور الإقليمية ككيانات “مرنة” قابلة للتحول أو التماهي، ليتبلور حتى الآن ما يمكن وصفه بـ “ثلاثة تحالفات هجينة” تسعى كل منها لحماية مصالحها الآنية في لحظة تاريخيّة شديدة التقلب.
وفي هذا السياق، يوضح ‘بريم كومار’ Prem Kumar، المدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي والرئيس التنفيذي الحالي لمجموعة DGA، أن “الحرب مع إيران سرّعت من وتيرة تطور التحالفات الإقليمية، وفرضت حالة من ‘الانفراج’ مع طهران، في ظل تزايد شكوك معظم الأطراف في قدرات الولايات المتحدة”. ثم يتوقع أن “تعزز الإمارات تحالفها مع إسرائيل، بينما تستثمر السعودية أكثر في علاقاتها مع تركيا وباكستان، في حين ستعمل إيران على دعم حزب الله والحوثيين وحماس، بينما تؤسس نظاماً جديداً للتعايش (Modus Vivendi) مع جيرانها الخليجيين”.
1. حلف الإمارات إسرائيل: براغماتية أمنية تتجاوز الاستقطاب
برغم الإدانة العربية الواسعة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، فإن اتساع رقعة الحرب -كما يرى التحليل- كشف عن “هوّات” أعمق داخل مجلس التعاون الخليجي. فمنذ أن شقّت الإمارات والبحرين الصف الخليجي عام 2020 بتوقيع “اتفاقات إبراهيم” التطبيعية بمشيئة أمريكية (وانضمت إليها لاحقاً السودان والمغرب)، تسارعت خطى أبوظبي بقيادة محمد بن زايد في تعزيز تعاونها مع إسرائيل متجاوزةً الشقين الدبلوماسي والاقتصادي إلى المجالات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وهو ما جعلها هدفاً إيرانياً بامتياز خلال الصراع.
غير أن المحلل السياسي الإماراتي ‘سالم الكتبي’ يرى أن هذه الحرب رسخت لمبدأ أوسع مفاده أن “العلاقات الثنائية يجب أن تساهم في الاستقرار الإقليمي بدلاً من التسبب في الاستقطاب”. ويضيف الكتبي لـ ‘نيوزويك’: الحرب عززت العقيدة الاستراتيجية الإماراتية بدلاً من تغييرها، لكن الأحداث الأخيرة أثبتت أن الحوار وحده لا يمكن أن يوفر استقراراً إقليمياً دائماً دون ردع فعال، واحترام متبادل للسيادة”.
وقد فتح هذا “التلاحم” الإماراتي-الإسرائيلي الباب أمام لاعب ثالث يتمثل في الهند، التي تعزز باطراد ملحوظ علاقاتها (الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية) مع كلا البلدين. ويحذر الكتبي من المغامرة بالاعتماد المطلق على التكتلات الأمنية، مشيراً إلى أن الحرب أظهرت “حدود الاستقطاب الإقليمي والتكلفة الباهظة للمواجهة العسكرية”، مؤكداً أن “أمن الخليج لا يمكن التعامل معه كقضية ثانوية ضمن الحسابات الأمريكية-الإيرانية، أو الإسرائيلية-الإيرانية”.
2. المحور السعودي: استراتيجية التحوط وملء الفراغ
في المقابل، تسعى السعودية -باعتبارها الثقل الاقتصادي ومركز القوة التقليدي في الخليج- إلى إعادة تأكيد نفوذها “القيادي” وتوسيع حضورها، في ظل تنامي التدخل الإماراتي في مسارح عمليات متعددة (مثل ليبيا والسودان)، ودعم الحركة الانفصالية الجنوبية في اليمن (هُزمت أخيراً على يد حكومة عدن المدعومة سعودياً). وفي المشهد اليمني ذاته، يواصل الحوثيون (حلفاء إيران) الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة، تهديد الملاحة في البحر الأحمر، على غرار توظيف إيران لورقة مضيق هرمز. ومن هنا، تبنّت الرياض ما يمكن وصفه بسياسة “التحوّط” (Hedging) بدلاً من التوسع الصريح، حسبما يوضح الدبلوماسي السعودي السابق سعد عبد الله الحماد، قائلاً: “تقوم هذه السياسة على موازنة دقيقة بين واشنطن وطهران، مع التركيز على تجنب الاستنزاف الأمني في الخليج واليمن”. ثم يضيف: “لا شك أن استراتيجية ‘المحاور’ قد تبلورت عملياً في الشرق الأوسط، وأبرزها ‘محور الإمارات-إسرائيل’ الذي تطور من التطبيع الاقتصادي إلى تحالف أمني قوي.. هذا المحور الصريح، رغم كلفته السياسية الناتجة عن حساسية الرأي العام الإقليمي، يواجه التهديدات الإيرانية ويعزز التعاون الاستخباراتي”.
ومع تزايد الشكوك حول كفاءة “المظلة الأمنية الأمريكية”، تتجه السعودية لتنويع شراكاتها، بما في ذلك تعزيز العلاقات مع تركيا (التي وسعت نفوذها في ليبيا وقطر، ودعمت حكومة الشرع السورية التي أطاحت ببشار الأسد في ديسمبر 2024). كما يشمل “التحالف السعودي” ميثاقاً أمنياً مع باكستان – الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة لسلاح نووي – والذي أُبرم بعد الضربة الإسرائيلية الفاشلة التي استهدفت قيادات حماس في قطر سبتمبر 2025.
ويخلص الحماد إلى أن هذا الواقع يخلق “فراغاً نسبياً” في القيادة الأمنية، مما قد يدفع القوى الإقليمية (وفي مقدمتها السعودية) نحو “مزيد من الاستقلالية والتسابق لتعزيز النفوذ غير المباشر”. ويتنبأ الدبلوماسي السعودي بـ “تراجع احتمالات نشوب حرب شاملة، لصالح ارتفاع احتمالات ‘حروب الظلال’ Shadow Wars كالضربات المحدودة، والهجمات السيبرانية، والصراعات “بالوكالة”، في تحول يصفه بانتقال المنطقة من “الردع المستقر” إلى “الردع المتقلب”.
3.المحور الإيراني: الصمود والتحول من التوسع المباشر إلى “الردع اللامركزي”
رغم الخسائر الفادحة التي مني بها “محور المقاومة” الإيراني بها خلال ما يقارب الألف يوم من الحرب المتواصلة، منذ دخوله المساند -بتفاوت- لحماس ضد إسرائيل بعد 7 أكتوبر، ورغم الضربات القاسية المتعاقبة التي تلقتها إيران نفسها -بدءا من سقوط حليفها الأسد في سوريا، ومرورها باغتيال أهم حلفائها حسن نصر الله زعيم حزب الله مع كبار قادته، وصولا إلى اغتيال مرشدها الأعلى وخيرة قادتها السياسيين والعسكريين وتدمير قدراتها العسكرية في الحرب الأخيرة- رغم كل ذلك مازالت طهران متماسكة ولا يزال محور تحالفها الإقليمي صامداً في مجمله.
استفادت طهران من تطورات الصراع -حسب تحليل ‘نيوز ويك’- في “تمتين” علاقاتها مع القوى العظمى مثل الصين وروسيا، إلا أنها تعتبر “شبكتها الإقليمية” (في لبنان، العراق، اليمن، وامتداداً لأفغانستان وباكستان) حجر الزاوية في عقيدتها الدفاعية غير المتكافئة مع أميركا وإسرائيل. ويتجلى ذلك في إصرار إيران على أن يشمل أي اتفاق سلام، إنهاء الحرب الموازية التي تشنها إسرائيل على لبنان، وعينها بالطبع علي حماية حليفها حزب الله.
وفي هذا السياق، تستعين المجلة الأمريكية بالمحلل الإيراني ‘حسن بهشتي بور’ الذي يقول: “في منظور طهران أن دعم الشركاء الاستراتيجيين في جبهة المقاومة ليس ‘تكلفة’، بل جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي”.
وفي مقابل ذلك الطرح، يلفت الدبلوماسي السعودي سعد الحماد الانتباه إلى “تحول جذري” في توجهات طهران، قائلاً: “تنتقل إيران من مشروع توسعي إلى مرحلة إعادة تموضع. إيران ما بعد الحرب تتحول من مشروع نفوذ مباشر إلى نموذج ‘نفوذ منخفض التكلفة’ عبر الوكلاء، مع تقليل التورط المباشر والاعتماد على الهجمات غير المتكافئة، للحفاظ على محور ردع مرن ولا مركزي”.
خلاصة المشهد: نهاية الاحتكار الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط والتوجه إلى المحاور الإقليمية المرنة
يخلص تحليل النيوزويك إلى أن حلفاء واشنطن التقليديين في الخليج وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يفرض عليهم عدم الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية. فيقول ‘بريم كومار’: “ستواصل معظم الدول العربية والخليجية تقييم علاقاتها مع الولايات المتحدة في ضوء المستجدات الأخيرة، لكن الخليجيين بالذات أدركوا أنهم بحاجة إلى حماية أنفسهم بأنفسهم من الصواريخ الباليستية والمسيرات، وتأمين طرق بديلة لصادراتهم بعيداً عن مضيق هرمز، وتأسيس روابط اقتصادية مع إيران تعمل ككابح لأي صراع مستقبلي”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى