كتاب وشعراء

قراءة في رواية أمريكية في الشماعية؛ تخصيب بايلوجي اجتماعي ….بقلم اسماعيل ابراهيم عبد

بين أيدينا رواية اشكالية عنوانها “أمريكية في الشماعية ـ حكاية خبل”[1] من تأليف الكاتب الروائي على جاسم السواد. يبدو انها الرواية الأولى بعد كتابين في تاريخ العراق الحديث. هذه الرواية تطرح عشرات الرؤى ومثلها من الآراء، تتناغم أحداثها مع عاملي الهيمنة والصدفة، مبئرة قوى القدر الخفية في توطين الوقائع بصيغة يقينية لتوصل الاقناع الى درجة شبيهة بالحقيقة. نعم ثمة ما يماثلها قد حدث في بلد الغرابة والجنون القدريين. لكن مَنْ وضع لها منطقاً وانسجاماً، بل وتناسقاً قدرياً، فهو الصائغ، الجامع، المؤالف؛ لمتونها، حتى لكأنها تبدو واقعية مقبولة، ليس فيها ما يزيد على تأكيد أصيل على عنوان عميق يسميه المؤلف”الخَبَل”، ويعترف به كأنه شيفرة الأصالة العراقية وفطرة الإنسانية السليمة.

قد لا تتطابق وجهة نظره مع وجهة نظرنا، وقد يؤاخذنا بكوننا نختلف في تقييم أحداث الاحتلال، وما قبله، لكننا حتماً سننسجم مع حسه الإنساني العميق خاصة في انحيازه الكامل لحضارة العراق؛ بماهيتها الدالّة على الانفتاح والتعافي، على الرغم من الخيبات والنكسات الكبيرة، التي مَرَّ بها شعب العراق. سنقوم بقراءة موجزة للرواية على النحو الآتي:

أولاً: صدفة عظمى

من وجهة نظري؛ تتحكم الصدفة في لَمِّ نسيج الأحداث كلها تقريباً. أقصد الأحداث الرئيسة، مثالها ما ورد على الصفحة 112، والصفحة113؛ والصفحة 115؛ خاصة عندما خابر سعد صديقه الأمريكي جون وأخبره ان الدكتورة (رجاء حسن) قد سألت عن سعد..وقبلاً؛ سعد وماري ـ عرفا بعد بحث وتقص ـ ان مفتاح مشكلة (حمزة)؛ أو حمزة شلال، بطل الرواية الأساسي بعد ماري؛ هو مفتاح لجميع مقفولات الرواية، تلك المشكلة التي تتعلق بحبه لهذه لفتاة المهاجرة من بغداد الى أمريكا. أي (رجاء حسن الشمري). سأقتطع جزءاً مطوّلاً نوعاً (ما) من متن الرواية؛ أُضمنه بعضاً من محمولات الرواية؛ التي تنام خلف سطور المشد (المقطع) الآتي:

“جون:… ذهبتُ لزيارة أمي،…، إلتقيتُ بالطبيبة العراقية غريبة الأطوار، سألتْني عنكَ، أخبرتُها انكَ في العراق، كادتْ تموت من الخوف، وظلتْ تسألني عنكَ وعن العراق.

سعد: أبلغها تحياتي، صحيح، لقد نسيت اسمها ماذا كان؟

جون: رجاء، رجاء حسن لكن نسيت كنيتها ـ يقصد لقبها ـ.

بدأ سعد يرتجف من القلق، وأخذ يتحدث مع جون بلهفة وارتباك، وقال له:

إسمعني جيداً، هل اسمها رجاء حسن الشمري، تذكرْ يا جون رجاءً، الأمر في غاية الأهمية. جون: أعتقد ذلك، نعم، اسمها رجاء حسن الشمري، لكن ما الأمر؟ لماذا أنت مرتبكٌ، هل ثمة خطب ما؟

سعد: إبعثْ لي رقم هاتفها الآن، وبسرعة، أحتاجها لأمر ضروري جداً، بل مصيري يا جون. لم يتوقع سعد هذه المفاجأة، يتساءل:

هل فعلاً ستكون تلك المرأة الغامضة التي تعيش في أمريكا هي الفتاة التي تبحث عنها ماري؟ اتصل سعد بالدكتورة رجاء ويداه ترتجفان، لم يعد حمزة مشكلة ماري فقط بل الجميع كان يترقب بدافع الفضول ليُزاح الستار عن حكايته، قال لها:

مرحبا دكتورة، أنا سعد صديق جون، إلتقيت معك منذ شهرين تقريباً، أتذكرين ذلك.

رجاء: نعم أتذكر جيداً، هل أنت في العراق الآن؟

سعد: نعم، أنا حالياً في اجازة، وقد طلبتُ رقم هاتفكِ من جون، هناك أمر في غاية الأهمية، ويتوقف عليه مستقبل إنسانة.

رجاء: قبل الحديث بأي شيء، أخبرني كيف حال الوطن؟

… اخذ ـ سعد ـ يحكي لها قصة ماري، وكيف انها أمام حالة عصية لطبيب قاتل….

قاطعته…:

ما علاقتي بالأمر؟

قال لها:

أنتِ تستوطنين كيان ذلك المريض.

قالت بدهشة:

أنا…؟…من هو…؟

قال:

ذلك الشخص اسمه حمزة ، حمزة شلال”[2]

ومن جنبة تقريب الموضوع نقول: “ان حمزة قد انطلقتْ عقدةُ لسانِهِ وباح بجميع ظروف حياته لماري، بعد ان جعلته يتصل برجاء. بمعنى ان التركيب المستمر للصدف قاد الى أضخم صدفة واعلى ذروة في دراما الرواية. هي صدفة العثور على رجاء حسن الشمري؛ حبيبة حمزة شلال؛ مريض الشماعية؛ مجال دراسة ماري، ومركز البطولة على المدى الأوسع ؛ به بدأت الرواية وربما ستنتهي به؛ لولا ان بعض حاجات الأكشن ستحتم بضرورة وجود صدف أُخرى؛ أهمها صدفة اكتشاف ماري لعقدة خالد شقيق أمينة زوجة سعد، التي (هي وسعد) صارا دليلين ومضيفين ونموذجين عراقيين معبرين عن روح التسامي العراقية والطيبة والتعاون الانساني. لقد التحق بسير الأحداث الصدفوية حدث ؛ أن يُسجن سعد في أمريكا، فيقرر العودة الى العراق.

* سانظر الى الصدفة الحدثية من منظار فني؛ ومن هذه الزاوية أريد قول الآتي:

1ـ ان أحداث الصدفة هي عملية ديناميكية تختزل الشرح والتفصيل الذي يطيح بلحظة المفاجأة وما يتعلق بها من شغف المتابعة والتشويق.

2ـ الصدفة كونها تتناغم مع فطرة بحث الإنسان عن الغرابة وغير المتوقع، فهي الأجدر على إمتاع القارئ، ولفت انتباهه.

3ـ انها تحرر الروائي والقارئ من المنطق الفلسفي، الذي يُثقل العمل الفني، وقد يوصل الى عزوف القارئ السردي ؛ متوسط أوقليل الثقافة عن متابعة مجال الابداع عامة.

4ـ صدفات القدر تعطي فسحة كبيرة لحرية التخيل الروائي المبتدع للمواقف والأحداث. 5ـ ثم ان أحداث الصدفات ـ في الأصل ـ مرسومة بتخطيط دقيق، لأجل ألّا يفلت زمام التناسق الحدثي بين اللغة والصورة السردية؛ وحدث الأكشن.

ثانياً: بنيات الجذب

استعمل الكاتب على جاسم السواد بنيتين أساسيتين لجذب القارئ هما؛ بنية عفوية السرد وبنية الترويج الذاتي.. وبقدر تعلق الأمر بمتعة ـ الجذب ـ الفني وفاعليته، فأن مقولات السرد تستوعب فعل القراءة التلذذي كونها أولى مراحل الفهم المعرفي. ان”متعة التخييل المتمثلة في السرد تمنح المتلقي فضاء متميزًا، تعطيه خبرة، تعرفه إلى عالم جديد، تحفز مخيلته إلى بناء هذا العالم وتركيبه بحرية على وفق هواه، تعده بعالم ينطلق فيه من أُسار الواقع الراهن، ويحقق ذاته، ويمارس ما يستطيع ممارسته في الواقع، ويشبع رغباته”[3]؛ فالروائي المجازف بتجاوز التقنيات غير الضرورية، يردم فجوة من مهملات السرد، كفجوة اهمال اللغة الحميمة المُظْهِرة لفطرة الاشتغال السردي؛ والكاتب على جاسم السواد ـ بروايته ـ أعطى لنا نموذجاً بسيطاً عميقاً جاذباً، منحازاً للانسانية المتحضرة. لقد دخل للاشتغال الممتع هذا عبر اخضاع السرد لعفوية توصل الى أهم ركنين في الفعل النفسي ؛ المرض والمعرفة ؛ مع خالد وحمزة مثلاً، ولم يستثمر في الرواية لغة عالية البلاغة، كون الرواية موجهة أساساً ببلاغة السرد بواسطة الراوي الشعبي العليم. والروائي يعي؛ ان الروي حركة نقل متطورة للوقائع الاستثنائية، تنضوي على سمة لشفافية شخصية السارد، مثلما هو حال(ماري وسعد وجورج والعجوز الموصلية) وغيرهم. لنتابع: أ ـ عفوية السرد

السرد طبيعة اشتغال فني بموجوداته المادية والعينية، ولكن الاشتغال السردي ومعه الكثير من الفنون، تعوّض ـ بالموهبةُ الخالقةُ للفطرةِ ـ عن الامكانيات والمستلزمات والغايات الخاصة بالتركيب المتعالي للسرد؛ مما يجعل الجذب الناتج الأساسي للفعل الروائي. ومما يلفت النظر في الرواية هو اعتمادها على تصاعد درامي حميمي اللغة، حركي الانتقالات وسريعها، عبر قوى خفية؛ تؤول في نتيجتها الى نوع خاص من الجذب بوسيط عفوية السرد. سنحدد ماهية هذه العفوية على النحو الآتي:

1ـ ان عفوية السرد في الرواية وفرَ امكانيات لمادة حكائية، لها فرصة جمالية جيدة، حسب لها بتخطيط عفوي يشبه الروي الشفوي؛ مناسب لكثافة الانثال الحركي للروي.

2ـ هذه الامكانيات خلقت طاقة سرد تجعل الرواية كأنها بلا راوٍ، إذ أسبغ الروائي على فاعل الأحداث سمات شخصية بلا ملامح ظاهرية، ليجدد (عفوية حركة وغاية وفعل الأفراد) ليتصرفوا على هواهم النفسي والوظيفي. ونعتقد انه يريد للقارئ ان يضع الصفات المظهرية للشخوص لتبدو تصنيعاً خفيّاً لشخصية من صنع القارئ، يبطن بها العمل.

3ـ ان العناصر الأساسية للسرد تتضمن وجود (حدث وراوٍ وشخوصٍ ولغةٍ موحدةٍ للحركة)، وهي جميعهاً قد توفرت بطريقة شبه عفوية؛ إذ ان الراوي محايد عليم، والشخوص واضحون تماماً ، مثلما نراهم في واقع الملايين من الناس. هذا الاشتغال أعطى فرصة لعفوية السرد ان تزيد من تأثيرها على جذب القراءة الممتعة بلا شروط مسبقة.

4 ـ ان غاية هذا النوع من السرد إيصال الأفكار ذات السمو الروحي، والمعرفي الى القارئ العادي والمثقف على حد سواء، وهذه الغاية مظهرة في متون الرواية لجميع فصولها الخمسة عشر فصلاً.

ب ـ الترويج الذاتي

يُنظر الى فاعلية الاجتذاب بكونها بنية صانعة للتداول والترويج والانتشار؛ والترويج ذات خارجية داخلية في الجذب القرائي؛ وكونه بنية فاعلة، تتمدد مساحتها وعلاقتها حسب طبيعة توليدها. وان من أولى الدروس في الاجتذاب البنائي؛ أن تكون لغة الكاتب ذات قدرة صياغة إدائية تشابه إداء العلوم الطبيعية، لكن بـ ـوَجْدٍ خاص، وهذا يقتضي أن يتغير البناء السردي لسيتوعب تغير آليات الاشتغال الروائي. أي ان ينوّع السارد وسائل تواصله مع القارئ؛ هذه المهمة تخص الترويج حصراً، تعتمد قيمتين؛ الطاقة الذاتي في التعبير الروائي موقفاً ولغةً قضية؛ والقيمة الثانية توفر التوجيه الاعلامي بالوساط المتاحة آن انتاج الرواية؛ كمنافذ النت الشائعة الآن. ولأجل ان يلتحم طرفي الترويج الذاتي يتوجب على الروائي ان يلتزم ببث الجملة ذات البنية عميقة التعبير بسيطة النحو، تعطي للروي منطقاً لموقف من نوع (ما) بحسب سياق غاية المدونة الروائية. يمكن تطوير علائق الجملة لاجتذاب اكبر قدر من القُرّاء عَبْرَ بنائها لقيمة ذاتية لصورة التعبير المنطقي، نراها تتخذ حالات عدة منها: 1ـ تأطير المشهد الروائي بوصفه وحدات حدثية ذات فواعل غير نمطيين، لهم قدرة على التحلي بوظيفة محددة ضمن غاية محددة. مثلما هي فاعلية (حمزة وماري وسعد وجورج وخالد)، وغيرهم. 2ـ نشر واعلان القيم الأخلاقية، التي تكمل معلومة القارئ عن تجربة (ما)؛ مثلما تصنع “فخاخ الاحدث الاستباقية او الاسترجاعية” في المروية. وقد بان هذا التركيب عبر المقارنة او المقاربة الترويجية (المخاتلة) في تخصيب وخلط المجتمعين؛ الأمريكي والعراقي في مساواة؛ هي الأُخرى مضللة، بهدف إبراز القيم الإنسانية السامية؛ كحكم أوحد على الجمال والأخلاق وفضيلة العلم.

3ـ تشكل الحدود الصورة – الجملة – في مصاف اللوحة صافية البُنى. أي المتوافقة مع ثراء روحية الشخوص سلباً أم ايجاباً. وقد بُنيت جُمل الرواية لتكون صوراً عاكسة لنفوس الشخوص، ومعبرة عن ازدواجية التعامل المؤسساتي، وتمييزها بين الناس بموجب نوازعها الفطرية، بحيث صار المجتمع العراقي في الروية أكثر رُقيًّا من المجتمع الامريكي المتقدم تكنولوجيا. بمعنى ان عفوية الإنسانية هي محرك الحضارة وضمير الوجود الحق، وليست قيم الهيمنة، مهما كانت قوتها وكيفما صار نوعها وامتداد تأثيرها.

4ـ تحويل الكينونية الفعلية الأُحادية إلى كينونية مركبة بشقين؛ عاطفي وعملي، بقصد خلق سيرورة للتداول. وقد نوهنا عنها بصورة غير مباشرة في الفقرات السابقة.

ثالثاً: الحتمية الاجتماعية

تعج الدراسات والبحوث في العالم في توسيع معنى الحتمية الاجتماعية، وتربط الدراسات الحديثة دائماً بين الهيمنة ومنطق القوة ؛ بمقابلتها بتبعية الضعف السياسي والمالي والعسكري والمجتمعي. وما يصدق على الدول يصدق على الأفراد، ويصدق على الأعمال الفنية، التي تخلق مجتمعاً منتقى. فرواية “أمريكية في الشماعية ـ حكاية خبل” لعلي جاسم السواد، مثلاً، هي عدسة نرى من خلالها العوامل والظروف الاجتماعية والثقافية، المحركة للسلوك الاجتماعي بين بلدين متناقضين بشكل واضح، تتميز علاقتهما بحتمية تغلب قوة المجتمع الأمريكي، وهذا لايحتاج برهنة. لكن لنتوسع قليلاً في موضوعة الحتمية الاجتماعية؛ فما نعتبره “إرادة حرة” هو في الواقع محدود للغاية، إن لم يكن مجرد وهم، في مواجهة القوى الخارجية الجبارة. تفترض هذه النظرة أن تجاربنا الحياتية، وطبقاتنا الاجتماعية، ثقافتنا التي نشأنا فيها، طريقة تربيتنا، تصوغ شخصياتنا، معتقداتنا، وخياراتنا بشكل شبه كامل. لنتخيل مجتمعاً يحدد بصرامة ما هو “مناسب” قد يشعر الفرد، بضغط هائل للتوافق مع أدوار المجتمع النمطية، كونها تتعارض مع ميوله وقدراته الحقيقية. هذا يعكس قوة “الحتمية الثقافية” في تشكيل السلوك. تعمل الثقافة كإطار مرجعي يغرس في الأفراد قيماً ومعايير وتوقعات مشتركة، توجه سلوكهم وتحدد تصوراتهم للعالم وما هو طبيعي أو مقبول، وغالباً ما يتم استيعاب هذا التأثير بعمق ليصبح جزءاً من هوية الفرد”[4].

* هذا التصور يضعنا أمام قضيتين؛ السلوك الفني، والسلوك الحياتي. ومن أبسط مظاهر الفن ان نقول”أن الرواية مجتمع منتخب بارادة فوقية، يخلقها ويديرها الكاتب. وهو يمتلك حرية إلغاء الضغوطات كلها، ويمكنه الزوغان من قيود المجتمع وسلبيات تقاليده. بمعنى ان شروط الحتمية الاجتماعية قد لا تطاله بمخالبها. لكن الحقيقة غير ذلك تماماً لسببين؛ انه لا يمتلك حرية مطلقة على عمله تماماً، لان المتلقي هو من يكون هدفاً لوجود عمل المبدع الفنان. والسبب الثاني ان الفنان والروائي مثلا؛ لم يكونا يبدعان لو لم تكن ثمة قضية او قضايا يتم تناولها تحوز على اهتمام الكثيرين. واذا كانت الحرية هدفاً فالمبدع لايريد تحرير نفسه قدر تحرير مجتمعه.

إذاً ثمة هيمنة اجتماعية واضحة وحتمية سلطة ضاغطة؛ لذا فالمبدع والضحايا هم أطراف منزوعة السلطة. وعندما يتعدى المبدع هذه الظاهرة سيتطلب الأمر ان يتحدى هيمنة أكبر وأضخم وأوسع هي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى