حَاجَتي إليكِ لَم تَكُن يَومًا ضَعفًا .. كُنتِ اكتِمالي الذي رَحَل……بقلم محمد خالد الحسيني_اليمن

كُنتُ أَزعمُ أنّ لِقاءَنا طَوَيل، وأنّنا لَن نَفترِق، كنتُ أزعمُ أَنّكِ مَحبوبتي، وَمَعشُوقَتي، وَأَنّكِ قَدَري .. كُنتُ أَزعمُ أَنَّكِ لِي.
كنتُ أظنُّ أن لقاءنا ليسَ مُجرَّدَ عُبورٍ عَابِر، في زمنٍ سَريع، بل فَصلٌ كامل من فصول العمر، صَفحةٌ لا تُطوى، وبدايةُ حكايةٍ لا تعرف النهاية.
وَكنتُ أؤمنُ، إيمانًا لا يشبه الشكّ، أنكِ لستِ احتمالًا في حياتي .. بل يقينًا، وأنكِ الوجهة التي تَعِبَت الطُرُق كُلّها لتقودني إليها، كنتُ أقتنع أن الفراق بيننا فكرة لا تجد لها مكانًا في هذا العالم، كأنها لغة غريبة لا تنتمي إطلاقاً لقلوبنا.
وكنتُ أراكِ أكثر من إنسانٍ أُحِبّ، كنتُ أراكِ معنىً يتجسّد، وطمأنينةً تمشي على هيئة روح، ودفئًا ينساب في عروقي كُلّمَا اشتدّ بي برد الأيام.
كنتُ أظن أن الله حين خلق قلبي، ترك فيه فراغًا على شكل قلبكِ أنتِ وحدك، فلا يملؤه غيركِ، ولا يسكنه سواكِ.
وأن ذراعيكِ خُلقتا ليكونا وطنًا أخيرًا، إذا ضاقت بي الدنيا، أَلْجأُ إليهما كمن يعود إلى نفسه بعد تيهٍ طويل.
كنتُ أراكِ الربيع الذي لا يذبل، والنور الذي لا ينطفئ، والمرفأ الذي لا تغرق فيه السفن، وكنتُ أَظُنُّ أنّ وَجُودَكِ قانون ثابت، كأنكِ جزء من نظام الكون لا يختلّ، ولا يتغير، ولا يرحل.
ثُمَّ جِئتِ فصار خوائي امتلاءً، وصار صمتي موسيقى، وصارت أيامي أكثر احتمالًا، كأنكِ لم تغيّري حياتي فقط، بل أعدتِ ترتيب روحي من الداخل.
وَمَعكِ تعلّمتُ أن للطمأنينة وجهًا، وأن للأمان اسمًا، وأن للحياة معنىً لا يُقرأ في الكتب بل يُعاش في حُضُورَكِ.
ثم رَحَلتِ فانطفأ كل شيء دون أن ينطفئ كل شيء، وبقيتُ واقفًا، لم أسقط، لكن شيئًا داخلي كان قد غادر قبل جسدي.
بقيتُ أتنفّس، لكن الهواء صارَ أثقلَ من أن يُحتمل، وبقيتُ أَبحثُ عَنكِ في تفاصيل لا تعرف كيف تعترف بغيابكِ.
والآن من يَملأُ هذا الفراغ الذي تَرَكَتهُ يَدَكِ دون أن تُوَدِّعَهُ؟ مَن يُعِيدُ ترتيب هذا الشتات الذي تَفرّقَ في داخلي كَأنّكِ كُنتِ مَركِزَهُ الوحيد؟ مَن يَفهَمُنِي كَما كُنتِ تفعلين، دون شرحٍ، دون تفسير، دون أن أرفع صوتي فوق صَمتي؟ لِمَنْ سَأَحْكي عَن يَومي حِينَ لا أَحَدَ يَلْتَقِطُ تفاصيله كما كُنتِ تَفعلين؟ ومن سَيَصغي إلى ارتِبَاكِي، وَيُهَدّئ ضَجيجَ أفكاري، وَيُقنعَ قَلبي أنَّ العَالمَ ما زال قَابِلًا للحياة؟ ما أقسى أن يَتَحَوّلَ الحُب إلى ذَاكِرة وما أقسى أن تَصْبُحَ التفاصيل الصغيرة التي كانت تَجْمَعُنا، شَوَاهِدَ على غِيابٍ لا يُحتَمل. وما أقسى أن يكون الرحيل حَاضِرًا أكثرَ من الحضور نفسه.
تَرَكتِني، وأنا الذي كُنتُ أَظُنُّ أنّ الرّحيلَ لا يَعْرِفُ طَريقَكِ، وَأَنّكِ إِن أَحبَبَتِ تَبْقَيْن، وَإِن بَقيتِ يُصبِحُ البَقاءَ قَدَرًا لا يُكسَر.
أَشْتَاق وَلَا تَكفِي الكَلِمَة، ولا اللُّغَة، ولا هذا البَوح كُلَّه، لِيَشْرَحَ مَا يَتَآكل في صَدرِي.
أَشتَاقُ إليكِ، وَكَأَنَّ الاشتِياق لَيسَ شُعُورًا بَل حَياةٌ كَامِلة تُعَاشُ بَينَ الأَلَم والِانتِظَار.
أَشتَاقُ إِليكِ حَتّى حِينَ أُحَاوِلُ أَن أَنسَاكِ، أَجِدُنِي أَعُودُ إِليكِ أَكثَر. إِنّ حَاجَتِي إِليكِ لَم تَكُن يُومًا لَحْظَةَ ضَعْف، بل كانت شَكلًا مِن أَشكالِ اكتمالي، وَغِيَابَكِ لم يكن نقصًا عَابرًا، بل انكسارًا يتجدَّد كُلّ يَوم دون مَوعِد. أَيُّ عَينٍ بَعدَ عَينَيِكِ تَستطيعَ أَن تُربِكَني بهذا القدر؟ وأيُّ نَظرةٍ بَعدَ نَظرَتَكِ تَستَطيع أَن تُعيد ترتيب الفوضى في داخِلي ثمّ تَتَرُكَها أَكثرَ فَوضى؟ وَأَيُّ حُضُورٍ بَعدَ حُضُورَكِ يَستطيعَ أَن يُعَلّمَني كَيفَ أَطْمَئِن؟ كُنتِ تَفهمينَنَي دُونَ أَن أَتكلّم، وَكأنَّكِ تَقرئَينَنَي مِنَ الداخل، وَتَضَعينَ يَدَكِ على موضعِ الألم قبل أن أعرف أين يُؤلمني.
والآن .. صِرتُ أحتاج أن أشرحَ كلّ شيء، وكأنّ اللغة لم تعد كافية، وكأنني فقدتُ مفاتيح نفسي معكِ.
إن بَكيتُ .. فلا أحدَ يَمسَح هذا الانهيار الذي يَتَسلّل بهدوء. وإن صَمتُّ .. فلا أحَدَ يُفَسّرَ هذا الصمت الذي صَارَ أَثقلَ مِن الكلام. وإن ضَحِكتُ .. فلا أحد يُصدّق أن في الضّحِك كلّ هذا الانطفاء.
لولا القدر .. لَقُلتُ إننا خُلقنا لنلتقي ولا نفترق، لكن القدر، الذي لا نراه ولا نفهمه، قرر أن يكتب النهاية في منتصفِ الحِكاية، وَأن يَترُك الأسئلة أكبرَ من الإجابات.
وما زلتُ أسأل هل كان ما بيننا حُلمًا جميلًا استيقظنا منه مبكرًا؟ أم كان حقيقةً كاملة، لكنّها لم تُمنحَ الوقت الكافي لتكتمل؟ هل نحن غادرنا بعضنا إلى الأبد .. أم أن في الغِيابِ طَريقًا خَفيًا يَعودُ بنا يَومًا، دون أن ندري كيف؟
أخبريني هل يُعقل أن تنتهي الأرواح التي تعارفت، هكذا، وبهذه القسوة؟ أم أن ما يحدث ليس نهاية، بل تأخيرٌ مُؤلِم لشيءٍ لم يحن وقته بعد؟ أَنا لا أَطلُبُ مُعجِزة أنا فقط أَبحثُ عن تَفسيرٍ لهذا الفراغ الذي يُشبِهكِ، وهذا الصمت الذي يَحملُ صَوتَكِ، وهذا القلب الذي ما زال، رَغمَ كُلّ شِيء، يَميلُ إليكِ، كَأنّكِ الاتجاه الوَحِيد لِلحَياة.