
في جسدِ القصيدةِ وُلِدتُ،
لا من رحمِ الكلمات،
بل من جرحٍ رفض أن يتحوَّل إلى ندبة،
ومن صرخةٍ ضاعت بين أفواه الخطباء،
فعادت تبحث عني لتسكن صوتي.
وفي أعماقها دُفنتُ،
لا لأن الموت انتصر،
بل لأن البذور لا تعرف طريقها إلى الشمس
إلا بعد أن تعاشر العتمة.
أنهضُ من قاعِ الهمِّ
كأنني أولُ الضوء،
أشقُّ الصخورَ بإرادتي،
وأرتقي أعالي القمم،
حتى تغدو الصقورُ
طعامَ عزيمتي،
ويصبحُ المستحيلُ
أولَ درجاتِ سلّمي.
أنا منذُ خطيئةِ آدم
أراقبُ التاريخَ
وهو يبدّلُ الأقنعةَ
ولا يبدّلُ الوجوه،
فالجلادُ هو الجلاد،
وإن غيّر ربطةَ عنقه،
والعبدُ هو العبد،
ما دام يصفقُ للسوط
ويحسبهُ نشيداً
تحسبني الورقةُ
قبل أن ألمسها،
وترتجفُ الأقلامُ
حين يمرُّ اسمي،
لأنها تعرفُ
أنني لا أكتبُ بالحبر،
بل بما يتساقطُ
من ضميرِ الزمن.
ويخافُ الزمنُ ارتعاشتي،
لأن القصيدة
حين تصدق،
تكسرُ ساعةَ الكذب،
وتجعلُ عقاربها
تدورُ حول الحقيقة.
أنا كينونةُ الأرض،
وابنُ سمائها،
لا أحتاجُ شهادةَ ميلادٍ
من حدودٍ رسمها الخوف،
ولا ختماً
من سلطانٍ
ليعترفَ أنني حي.
فاحذرْ
أن تجعلَ السوء
عقيدتَك،
فهو لا يسكنُ القلبَ وحده،
بل يحوّلُ العقلَ
إلى زنزانةٍ
يتباهى صاحبُها
بسلاسله.
أنا سيفُ الضوء،
لا أقطعُ الأعناق،
بل أقطعُ الليلَ
حين يظنُّ
أن الفجرَ مات.
وأبدّدُ الجهل،
لا بالصراخ،
بل بحقيقةٍ
تعجزُ كلُّ الأكاذيب
عن اغتيالها.
رأيتُ الطغاةَ
يصنعون أوطاناً
بحجمِ جيوبهم،
ويكتبون الحريةَ
بحبرِ السجون،
ويخطبون عن العدالة
وفوق أكتافهم
يقفُ اللصوص.
ورأيتُ الشعوبَ
تصفقُ للخديعة،
ثم تبكي
حين تكتشفُ
أن التصفيقَ
كان أولَ القيود.
أما أنا،
فلستُ شاعراً
يبحثُ عن تصفيق،
ولا متسوّلَ مجدٍ
على أبوابِ الجوائز.
أنا رجلٌ
إذا ضاقتِ اللغةُ
وسّعتها القصيدة،
وإذا ضاقتِ الأرضُ
اتسعتْ روحي،
وإذا تكاثرتِ الأقنعةُ
خلعتُ وجهي
ليعرفَ الجميعُ
أن الحقيقة
لا تحتاجُ إلى قناع.
ولهذا
ستبقى قصيدتي
آخرَ وطنٍ
لا تشتريه المصارف،
ولا تؤجّره الأحزاب،
ولا تحرسه البنادق،
لأنها خُلقتْ
لتبقى حرّةً،
كما خُلقتُ أنا
كي لا أعتذر
بقلم: حامد الضبياني