
في آخر الحي ، كان هناك جدار قديم متشقق ، يمر الناس بجانبه كل يوم دون أن يلتفتوا إليه .
إلا رجلًا مسنًا .
كان يأتي كل صباح ، يقف أمام الجدار لدقائق ، يضع كفه عليه ، ويقول بصوتٍ يكاد لا يُسمع :
” سامحني … لقد تأخرت كثيرًا ”
ثم يغادر بصمت .
تحول المشهد مع مرور السنوات إلى عادة يعرفها الجميع . بعضهم كان يبتسم ساخرًا ، وآخرون كانوا يتهامسون :
” لقد فقد عقله ”
لكن الرجل لم يكن يرد على أحد ، وكأنه يحمل حديثًا لا يسمعه إلا ذلك الجدار .
وذات شتاء ، غاب الرجل .
مر يوم … ثم أسبوع … ثم شهر ، ولم يعد يظهر .
علم أهل الحي بعد ذلك أنه توفي وحيدًا ، دون أن يترك خلفه أحدًاو.
وبعد أشهر ، قررت البلدية هدم الجدار لتوسعة الطريق .
وأثناء إزالة الحجارة ، عثر العمال على صندوق حديدي صغير مخبأ داخل الجدار .
في داخله رسالة صفراء باهتة كتب عليها :
إذا وصلت هذه الرسالة إلى أحد ، فأرجو ألا يحكم عليّ قبل أن يعرف الحقيقة .
قبل أربعين عامًاة، تشاجرت مع أخي الأصغر ، وفي لحظة غضب ، دفعته داخل غرفة مهجورة وأغلقت الباب عليه لأخيفه فقط .
لكن الباب انغلق ، ولم أستطع فتحه .
خفت من مواجهة الناس ، فهربت .
وعندما عدت مع الرجال في اليوم التالي ، كان قد فارق الحياة .
هُدمت الغرفة لاحقًا ، وبُني هذا الجدار فوقها ، بينما بقيت أنا حيًا … لكنني لم أعش يومًا واحدًا بسلام .
كنت أتي كل صباح لأعتذر له .
كنت أعلم أن اعتذاري لن يعيده ، لكنه كان الشيء الوحيد الذي أبقاني قادرًا على التنفس ”
ساد الصمت بين العمال .
لم ينطق أحد بكلمة .
نظر الجميع إلى الجدار الذي سخروا منه سنوات، وكأنهم يرونه لأول مرة .
وفي تلك اللحظة ، قال أحد العمال بصوتٍ منخفض :
” بعض الناس لا يعاقبهم القانون … بل يعاقبهم ضميرهم حتى آخر يوم في حياتهم ”
ومنذ ذلك اليوم ، لم يعد أهل الحي يضحكون عندما يرون شخصًا يتحدث مع نفسه …
لأنهم أدركوا أن هناك جروحًا لا يراها أحد ، واعتذاراتٍ قد تبقى حبيسة القلب… حتى آخر العمر .