غير مصنف

ما لم أقله لأحد// بقلم: الأستاذ محمد بايزيد الجزائر

ما لم أقله لأحد

أحاولُ، كلَّ يوم،
أن أرتّبَ هذا الخرابَ الذي تركتْهُ الأيام،
لا لأنني أؤمنُ بأن كلَّ شيءٍ سيعودُ كما كان،
بل لأنني لا أحتملُ أن يظلَّ كلُّ شيءٍ مكسورًا.

أجمعُ ما بقي من وجوهٍ مرّت في حياتي،
وأتأمّلها طويلًا.
بعضُها غاب،
وبعضُها بقي في الذاكرة
أكثرَ ممّا بقي في الواقع.
وعندها أفهمُ
أن الإنسانَ لا يخسرُ الأشخاصَ فقط،
بل يخسرُ النسخةَ التي كانها معهم.

هناك من يدخلون حياتنا
وهم يحملون كلامًا كثيرًا،
لكنهم لا ينتبهون
إلى الصمتِ الذي يتركونه وراءهم.
يرحلون،
ويبقى المكانُ كما لو أنّه تعلّمَ الغياب.

لستُ أصلحُ لأن أكونَ ملجأً لكلِّ التعب،
ولا كتفًا يحملُ ما يعجزُ عنه الجميع.
تعلّمتُ متأخرًا
أن القلبَ أيضًا
له حدود،
وأن الإفراطَ في العطاء
قد يكونُ طريقةً أخرى لخسارة النفس.

في داخلي أشياء
لا يعرفها أحد.
ضحكاتٌ لم تكتمل،
وأحلامٌ تأخّرت،
وخوفٌ صغير
يختبئ خلفَ كلِّ طمأنينة.
ومع ذلك،
ما زلتُ أستيقظُ
وكأنّ الحياةَ تمنحني فرصةً جديدة
لأبدأ من أوّل الطريق.

لا تثقوا بابتسامتي دائمًا،
فهي ليست دليلًا على النجاة.
أحيانًا تكونُ
كلُّ ما أملكه
حتى لا يرى الآخرون
كم أتعبني الطريق.

كنتُ أظنُّ
أن القلبَ يتّسعُ للجميع،
ثم اكتشفتُ
أن من لا يحرسُ قلبَه،
يستيقظُ يومًا
ولا يجدُ منه
إلا الذكريات.

ومع كلِّ خسارة،
كان شيءٌ جديد
ينمو في داخلي.
ليس لأنني أقوى من غيري،
بل لأنني
لم أجدْ خيارًا آخر
سوى أن أواصلَ السير.

وحين يسألني أحدهم:
كيف تجاوزتَ كلَّ هذا؟

أبتسمُ بهدوء،
وأقول:
لم أتجاوزْهُ تمامًا،
لكنني تعلّمتُ
أن أحملَ ندوبي
من دون أن أجعلها
تمنعني من رؤية الضوء.
بقلم: الأستاذ محمد بايزيد
الجزائر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى