كتاب وشعراء

قراءة نقدية في القصة القصيرة جداً.. متاهات.. حين يصبح السؤال أكثر قيمة من الجواب.. للكاتب المغربي حسن لختام.. بقلم الناقد الكبير: ماجد القيسي

قصَّة قصيرة جداً
متاهات
بقلم: حسن لختام

كتب نصوصاً تُحرِج اليقين، زرع الدهشة في
أرض الحكاية. حين استعصى عليه فتح
العقول المحصنة… سأل الصحراء عن
المفتاح.. همست له الريح أنَّ السرَّ مكتوبٌ
على وجه الرمال!

يوليو 2026

قراءة نقدية في القصة القصيرة جداً… متاهات… حين يصبح السؤال أكثر قيمة من الجواب.. بقلم الأديب والناقد العراقي: ماجد القيسي

ليست كل القصص القصيرة جداً تُقرأ في لحظة وتنتهي في لحظتها. هناك نصوص قليلة، على قصرها، تترك القارئ واقفاً أمامها كأنه يبحث عن باب خفي. هذا ما شعرت به وأنا أقرأ “متاهات” لحسن لختام. لم أتعجّل المرور على عباراتها، لأن النص بدا لي وكأنه يدعوني إلى الإصغاء أكثر مما يدعوني إلى الفهم السريع.
يفتتح الكاتب قصته بعبارة لافتة: “كتب نصوصاً تُحرِج اليقين.” لم يقل إنه كتب نصوصاً تعارض اليقين أو تهدمه، بل تُحرجه. والفارق كبير. فالإحراج هنا ليس هجوماً، بل دفعٌ للعقل كي يعيد النظر فيما اعتاد أن يعدّه حقيقة نهائية.
إنها كتابة تراهن على السؤال قبل أن تراهن على الإجابة، وعلى الدهشة قبل الاقتناع.
ثم تأتي الجملة التالية: “زرع الدهشة في أرض الحكاية.” أعجبتني هذه الصورة لأنها تمنح الكتابة وظيفة مختلفة؛ فالدهشة لا تُلقى في وجه القارئ، بل تُزرع كما تُزرع البذور. وقد لا تنبت في اللحظة نفسها، لكنها تبقى كامنة حتى تجد تربة مناسبة داخل القارئ. وهذا ما يفعله الأدب الصادق غالباً؛ يغادر الصفحة، لكنه لا يغادر الذاكرة.
غير أن النص ينعطف إلى منطقة أكثر عمقاً عندما يعترف بأن فتح “العقول المحصنة” لم يكن ممكناً. هنا يتجاوز الكاتب الحديث عن شخص واحد إلى حالة إنسانية نعيشها جميعاً.
كم مرَّة حاولنا أن نشرح فكرة، أو نناقش رأيًا، أو نفتح نافذة للحوار، فاكتشفنا أن المشكلة ليست في وضوح الكلمات، بل في استعداد الآخر لأن يسمع؟ أليست أكثر العقول انغلاقاً هي تلك التي تظن أنها لم تعد بحاجة إلى سؤال؟
ومن أجمل اختيارات الكاتب أنه لم يبحث عن المفتاح بين الناس، بل ذهب إلى الصحراء. بدت لي الصحراء هنا أكثر من مكان؛ إنها فضاء للتجرُّد، حيث تسقط الضوضاء ولا يبقى إلا الإنسان في مواجهة نفسه. أما الريح، فهي ذلك الصوت الخافت الذي لا يسمعه إلا من تعب من الصخب. وعندما تهمس بأنَّ “السر مكتوب على وجه الرمال”، فإنها لا تقدّم حقيقة نهائية، بل تفتح باب التأويل على مصراعيه.
الرمال تحتفظ بالأثر لحظة، ثم تمحوه. ومع ذلك لا تتوقف الأقدام عن السير فوقها. ربما أراد الكاتب أن يقول:
-“إنَّ الحقيقة ليست نقشاً على حجر، بل أثرٌ يتجدَّد مع كلِّ قراءة، ومع كلِّ تجربة، ومع كلِّ إنسان يمرُّ من هذا الطريق”.
وربما أراد شيئاً آخر تماماً، وهذا من جمال النص؛ أنه لا يصادر حقَّ القارئ في اكتشاف معناه.
فنِّيَّاً، تقوم القصة على اقتصاد لغوي واضح. لا توجد كلمة زائدة، ولا استعارة جاءت لتزيين العبارة فقط. كل جملة تدفع السرد خطوة إلى الأمام حتى تبلغ النهاية التي تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها تترك خلفها مساحة واسعة من الأسئلة. وهذا أحد أسرار القصة القصيرة جدَّاً؛ أن يكون حجمها صغيراً؛ بينما يظلُّ صداها أكبر من عدد كلماتها.
خرجت من النص وأنا أفكِّر في أمر بسيط: ربما لا تكون مهمة الكاتب أن يغيّر العقول كلها، فهذا رهان يكاد يكون مستحيلاً. يكفيه أن يوقظ سؤالاً واحداً في عقل كان يظن أنه امتلك كل الإجابات. فالبدايات الكبرى كثيراً ما تبدأ بسؤال صغير، وبهمسة عابرة، وبأثر تتركه الريح على وجه الرمال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى