كتاب وشعراء

حين ننسى كيف نرى العالم . . . زكريا شيخ أحمد / سوريا

الوصية
‏‎
انتبه للأشياء التي تراك كل يوم

ربما تعرف عنك أكثر مما تعرف.

‏‎النص:

حين ننسى كيف نرى العالم . . .
••••••••••••••••••••••••••

‏‎أعرفُ رجلاً أمضى عمره في العمل.

لم يكن يحملُ دفتراً دائماً

و لا يمشي متعثراً بالاستعارات.

كان يمرُّ قربَ الشجرة نفسها و الشارع نفسه

و النافذة نفسها.

لكن الشجرةَ لم تكن هي نفسها

و لا الشارع و لا النافذة.

في كل مرة

كان يعثرُ على نسخةٍ جديدة منها.

لهذا كتب كثيراً .

ليس لأن الكلمات كانت أكثر.

و لكن لأن الانتباه كان أكثر.

معظم الناس يظنون أن العمر هو ما يمرُّ بنا.

ثمّة احتمال آخر:

أن العمر هو ما انتبهنا إليه قبل أن يمر.

‏‎الكرسيُّ الذي نجلس عليه منذ سنوات

يغيّر شكله ببطء.

‏‎الفنجان الذي نشرب منه

تنتقل فيه الشقوق من مكانٍ إلى آخر‎.

وجوهُنا نفسها تغادرنا قطعةً قطعة.

لكننا منشغلون بأشياء أكبر من أن تُرى.

‏‎ذات صباح… نظر رجلٌ إلى يده.

اليد نفسها التي رافقته عشرات السنين.

فوجئ بها كأنها وصلت للتو ،

كأنها يدُ شخصٍ آخر أُعيرت له مؤقتاً .

ربما بدأت القصيدة هناك

ليس في اللغة

في الدهشة.

‏‎أظنُّ أن الله لم يعلّم آدم الأسماء كي يسمّي

الأشياء مرةً واحدة

علّمه إياها كي يعيد تسميته

كلما تغيّر معناها.

فالخبز الذي تعرفه الأم ليس هو الخبز الذي

يعرفه الجائع.

و النافذة عند السجين ليست النافذة عند

الرسام.

‏‎و الاسم الذي تناديك به أمك

ليس الاسم نفسه المكتوب في أوراق الدولة.

‏‎لهذا

أخافُ اليوم من الاعتياد أكثر من الخسارة.

الخسارة تأخذ الأشياء.

أما الاعتياد فيأخذ قدرتن على رؤيتها.

ربما لهذا السبب

يكتب بعض الناس حتى آخر العمر.

ليس لأن لديهم ما يقولونه

و لكن لأن العالم لم ينتهِ بعد

من إظهار نفسه لهم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى