
كتب:هاني الكنيسي
الفيلم التسجيلي الذي لم يُعرض بعد، والذي حصلت ‘وول ستريت جورنال’ WSJ على لقطات نسجت من خيوطها تفاصيل التحقيق الحصري المثير الذي تصدر صفحتها الأولى اليوم، يوثق بالبراهين “المصوّرة” كيف أن السيناتور الراحل ‘ليندسي غراهام’ لم يكن مجرد سياسي يميني أو جمهوري متحمّس لإسرائيل وللأجندة الصهيونية؛ بل كان بمثابة “قاطرة” تحرك الإدارة الأمريكية للتعجيل بشن الحرب على إيران، مثلما كان وسواسًا خناسًا في آذان صديقه ترمب وحبيبه النتنياهو.
اللافت أن الصحيفة الأمريكية استخدمت في توصيف اللقطات التي صوّرها المخرج الوثائقي البريطاني ‘أليكس هولدر’ Alex Holder -على مدى ثلاث سنوات من مرافقة السيناتور في اجتماعات مغلقة ومحادثات خلف الكواليس- لفظ “الضغط إلى حد الهوس” Obsessive Push، للتعبير عن “الحالة” التي اتسمت بها مساعي ‘غراهام’ المستميتة للدفع باتجاه الحرب على إيران، “مستغلاً نفوذه داخل الكونغرس وعلاقاته الوثيقة مع ترمب ونتنياهو” حسب نص تحقيقها.
في أحد المقاطع، يظهر ‘غراهام’ مقهقهًا وهو يهتف تأييدًا لضربات “الغضب الملحمي” الأمريكية الافتتاحية على إيران نهاية فبراير، ثم يعلق بعبارة بالغة الدلالة قائلا: Trump loves blowing stuff up، أي أن “ترمب يعشق تفجير الأمور”.
وفي مقطع آخر من الوثائقي – الذي لم توضح الصحيفة متى سيُعرض على الجمهور- يظهر السيناتور “المهووس” وهو يكرر عبارة: “إذا لم نواجه إيران الآن، فسندفع الثمن لاحقاً”. وهي جملة تقول ‘وول ستريت جورنال’ إنها كانت “محوراً ثابتاً” في خطاباته واجتماعاته المغلقة خلال السنوات الثلاث الماضية.
اللقطات التسجيلية توثّق أيضاً لحظات توتر بين ‘غراهام’ والرئيس الأمريكي، بسبب ضغطه الجنوني لتوسيع نطاق الضربات ضد إيران، بينما بدا ترمب مترددًا في الانخراط في حرب مفتوحة. وفي هذا السياق، تقول الصحيفة الأمريكية إن “السيناتور الجمهوري كان أكثر تشدداً من نتنياهو نفسه في بعض الاجتماعات”، وتضيف أنه حاول باستمرار إقناع الطرفين (ترمب والنتنياهو) بأن “الوقت مناسب لإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط”.
وفي ثنايا التحقيق، تربط الصحيفة بين سلوك ‘غراهام’ الذي “لعب دوراً محورياً” في تحفيز ترمب عام 2020 على اغتيال قائد فيلق القدس ‘قاسم سليماني’ (وهو ما أكدته تقارير مماثلة لـ’نيويورك تايمز’ و’واشنطن بوست’)، وبين قناعاته “الشخصية” بأن إيران تمثل “الخطر الأكبر على النفوذ الأميركي وعلى إسرائيل”، وأن أي تساهل مع نظام طهران “الإسلامي” سيُقرأ كضعف استراتيجي.
وهذا ينسجم مع مواقفه المعلنة، عندما صرّح عقب لقائه مع النتنياهو في تل آبيب (قبل أيام من إطلاق الحرب على إيران) بأن “تغيير النظام هو الحل الأمثل” للمشكلات التي تخلقها إيران، مشيرًا بسخرية إلى أن “القوات الأمريكية لم تبحر إلى المنطقة لمعاينة الطقس”.
وتذكر ‘وول ستريت جورنال’ أن الوثائقي -الذي تقول إنها اطّلعت عليه كاملًا- يُظهر ‘غراهام’ بوضوح “أثناء ممارسته الضغط” على مسؤولين في ‘البنتاغون’ ووزارة الخارجية، من أجل دفعهم لتبني “خيارات أكثر هجومية وعدوانية”، بما في ذلك ضرب منشآت نووية إيرانية واستهداف قيادات في الحرس الثوري.
وبحسب التحقيق الحصري، فإن الفيلم الوثائقي يكشف أيضاً بعضا من “خبايا العلاقة الاستثنائية” التي جمعت السيناتور الراحل بالنتنياهو، حيث يظهران في لقطات خاصة وهما يناقشان “كيفية التعامل مع إيران في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي”. وتقول ‘وول ستريت جورنال’ إن ‘غراهام’ كان يعتبر نفسه “جسراً بين تل أبيب وواشنطن”، موضحةً أنه لعب “دوراً سريًا” في نقل رسائل إسرائيلية مباشرة إلى ترمب “في أوقات حساسة”.
التحقيق يلمّح أيضا إلى أن الوثائقي قد يثير جدلاً واسعاً عند عرضه، لأنه يكشف كيف يمكن لشخصية واحدة في الكونغرس أن تؤثر على مسار السياسة الخارجية الأميركية، وأن تدفع باتجاه خيارات عسكرية خطيرة، مستندة إلى علاقات شخصية وتحالفات سياسية أكثر مما تستند إلى تقييمات مؤسساتية.
وتختم الصحيفة بأن الوثائقي يقدّم “صورة غير مسبوقة عن صناعة القرار في واشنطن حين يتعلق الأمر بإيران، وعن الدور المركزي الذي لعبه ‘ليندسي غراهام’ في الدفع نحو حرب قد تغيّر معادلة الشرق الأوسط”.
وفي انتظار تعليق النتنياهو الذي سيحضر بنفسه مراسم جنازة السيناتور الذي وصفه بأنه “أحد أعظم أصدقاء إسرائيل”، في واشنطن يوم الثلاثاء قبل لقائه المرتقب مع ترمب في البيت الأبيض حيث سيعرض عليه مجددًا “تقارير استخباراتية دقيقة عن إيران” -حسب توصيف الإعلام العبري- قد تُقنع البرتقالي باستئناف “الحرب الشاملة” (فور أن يستعيد مخزون صواريخ الباتريوت الناضبة)، تمامًا مثلما فعل في فبراير الماضي وكأنه تكرار لمشهد سابق أو Deja Vu (بالتعبير الفرنسي الشائع) .. لكن هذه المرة في غياب المجحوم بإذن الله ‘غراهام’.