
الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والخونة ليس ضحية، بل شريك في الجريمة”* جورج أورويل، مؤلف رواية: 1984.
لو حسبنا بطريقة مبسطة عدد الأشخاص الذين ساعدوا لصوص المال العام في السرقة والاخفاء والتستر والمنفعة، لوجدنا أنفسنا أمام مجتمع من شرق البلاد الى غربها ومن شمالها الى جنوبها.
فكيف يتم اختزال السرقة بعدد محدود من الحثالات والتغافل عن الحشود الكبيرة خلفهم من الذين حفروا معهم ونقلوا الاموال معهم وتستروا عليها وتقاسموها من أهل وأقارب وأصدقاء وقضاة ورجال شرطة وإعلام ومن طبقة سياسية حاكمة؟ كيف يسمى ذلك انحرافات فردية؟
قال حيدر العبادي إنه استلم الخزينة فارغة من سلفه ـــــــــــــــ إختفاء 290 مليار دولار حسب شهادة وزير المالية باقر جبر ـــــــــــ وقال الزيدي إنه استلم الخزينة فارغة ـــــــــــــــ اختفاء 140 مليار دولار في زمن السوداني ـــــــــ: أين دور القضاء والمحاكم والمؤسسات؟ كيف تم تجاهل سرقة بهذا الحجم؟ وكيف تسمى هذه ” أخطاء فردية”؟ ولماذا القضاء لا يفتح ملف هذه الاموال التي تكفي لجعل ثلاث قارات تعيش في رفاهية؟ من هو اللص الحقيقي؟
في كل قضية وعلى امتداد تاريخ العراق الحديث تكون الحلول” الأمنية” هي الحل الوحيد للمشاكل ، حتى في مكافحة المخدرات يجري القبض على المدمنين والاساءة لهم غالباً ضرباً أو توبيخاً من دون مراكز صحية لمكافحة الادمان، مع ان الإدمان في العراق ليس مقتصراً اليوم على المخدرات بل على المواعظ والخطابات وعلى الثقافة السائدة وتحويل الأساطير الى واقع والواقع الى أساطير بل الطبقة السياسية منتجة للأساطير التي تم وضع بعضها في الدستور وفي قوانين.
عندما تقع جريمة مثلاً في النرويج تقوم مؤسسات الدولة الاعلامية والصحافة بنقاش يشترك فيه رجال شرطة وربات بيوت وكتاب وأطباء ورجال دين وفي بعض الحالات الشخص المتهم لمعرفة الدوافع الحقيقية خلف الحدث بصرف النظر عن دور القانون الذي يأخذ مجراه كعقاب للجريمة لكنه ليس الحل. فكيف اذا كانت شرائح واسعة من المجتمع مشتركة في الجريمة؟
كان بيكاسو يوماً في مرسمه عندما دخل لص وسرق لوحة وهرب، فنظر اليه بيكاسو نظرة ثاقبة وعندما جاءت الشرطة وطلبوا منه بورتريه أو لوحة أو صورة مقربة لوجه اللص، رسم الصورة ونشرت في صحف اليوم التالي وكانت فضيحة مدوية في عموم فرنسا: رسم بيكاسو صورة وزير المالية الفرنسي بدقة حرفية، للإيحاء أن النظام هو اللص الحقيقي.
الدولة الفاسدة الفاشلة هي الدولة المناسبة للولايات المتحدة الأمريكية بعد أن استنزفت مواردها في حرب الارهاب ضد أشباح، حان الوقت للسيطرة على ثروتها بحجة الفساد الذي أسسته بنفسها وشرعت قوانينه ومؤسساته. الدولة الوطنية عدو الولايات المتحدة الامريكية وشواهد التاريخ كثيرة في انقلابات واغتيالات القادة الوطنيين من الانقلاب على الدكتور محمد مصدق عام 1953 لـتأميم النفط الايراني وتصفية الحساب معه طبياً، الى الانقلاب الدموي ضد الرئيس الشرعي المنتخب في تشيلي سلفادور الليندي 1973 وقتله الى الانقلاب على عبد الكريم قاسم في عام 1963 وقتله والقائمة طويلة..
الدولة الضعيفة المفككة الفاسدة الموزعة الولاءات بدعم خارجي عربي واجنبي أسهل في التوجيه والسيطرة للدول الكبرى والمجاورة من الدولة العادلة الديمقراطية. في زمن الحروب الجديدة أو الهجينة تختطف الدولة من شبكات محلية متعاونة مع استخبارات ومافيات خارجية لجعل الدولة مرتهنة وعاجزة عن النهوض للسيطرة عليها ونشر الرشوة والفساد بحيث تصبح القيم الاخلاقية والقانونية عبأ ثقيلاً على موظفي الدولة الشرفاء الذين سينظر لهم كأشخاص مريبين وخطرين يجب عزلهم.
الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لمحاربة أية ظاهرة سلبية خاصة اذا كانت ظاهرة واسعة ومنتشرة وخلف كل ظاهرة كبيرة بيئة ثقافية واجتماعية وسياسية وهذه لا تعالج بالقوة والعقاب بل في البحث عن الخلل والثغرات التي تتسلل منها هذه الظواهر وهي جنين قبل أن تستفحل وتخرج عن السيطرة.
حتى في العواصف السياسية العنيفة والانقلابات يجري اعدام الرئيس وحاشيته في حين يبقى العقل السياسي الرث منتجاً لطغاة جدد لأنه الرحم والبيئة والمناخ.
أن يندفع عامة الناس خلف الحلول الأمنية ومتابعة عدد من قبضوا عليهم وكيف وأين أمر مفهوم وبديهي لكن أن تندفع نخب الاعلام والثقافة خلف ذلك، فهو أمر محبط لأن دور المثقف هو البحث عن جذور المعضلة أو المأزق أو المشكلة أو الأزمة العابرة التي قد تفاقمها الحلول الأمنية عندما تظهر كعلاج وحيد في حين العطب البنيوي في النظامين السياسي والإجتماعي ومنهما ترشح كل هذه الأخطاء القاتلة. عرض أقل