رؤي ومقالات

إدريس آيات يكتب: النيجر والجزائر.. حين تتحول الجيرة من قدر جغرافي إلى مكسب استراتيجي

منذ أن استعادت النيجر والجزائر دفء علاقاتهما بعد فترة من التوتر، لم تعد العلاقة بين البلدين تكتفي بالعودة إلى طبيعتها الدبلوماسية؛ بل أخذت، خطوةً بعد أخرى، تنتقل من ترميم العلاقة إلى إعادة تعريفها.
واللافت أن هذا التحول لم يبقَ في لغة المجاملات الدبلوماسية. ففي توصيفها لمسار التعاون العسكري والسياسي والتعاون الطاقوي بين البلدين، تحدثت وزارة الدفاع الجزائرية نفسها عن الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»؛ وهو تعبير يكشف أن ما يجري مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي في منظوره الأوسع.
وفي هذا المسعى الإقليمي الذي أعلنت الحكومتان الأمس؛ عن مشروع بئر النفط؛ كفرا؛ وفي قراءة متأنية اتضح لي أن البئر جزء من خريطة جيوسياسية أكبر.
ولذلك فإن إشراف رئيسي وزراء النيجر والجزائر على إطلاق أعمال حفر بئر كفرا جنوب 1 ( Kafra Sud-Est 1، ) المستهدَف أن تبلغ عمق نحو 3,900 متر،هو عبارة عن سلسلة متكاملة من الأعمدة الجيوسياسية؛ فـ«كفرا» قصة أقدم لكنّها تعثرّت وعودتها الآن يسمح لنا بالتنبّؤ عن الاتجاهات السياسيّة للمنطقة مستقبلاً.
يقع البلوك النفطي في شمال النيجر، ويمتد على نحو 23.7 ألف كم²، بمحاذاة المجال الجزائري، مقابل منطقة تفاساسيت؛ على الجانب الآخر من الحدود، حيث تعمل سوناطراك أيضًا. وقد سبق أن قادت أعمال الاستكشاف الجزائرية إلى اكتشاف النفط في كفرا منذ 2018، ثم إلى نتائج إضافية في 2019، قبل تجديد عقد تقاسم الإنتاج وإعادة دفع المشروع إلى الأمام.
لكن النفط هنا في قراءتي ليس القصة كلها؛ الجغرافيا هي القصة.
فالجزائر لا تتحرك في دولة بعيدة عن مجالها الاستراتيجي، بل جنوب حدودها مباشرة، في فضاء ساحلي أصبح الأمن والطاقة وحركة الجماعات المسلحة والهجرة والتجارة العابرة للحدود فيه ملفات متداخلة يصعب فصل أحدها عن الآخر.
وفي المقابل، تبحث النيجر، بعد التحولات التي أعقبت 2023، عن إعادة هندسة شبكة شراكاتها الخارجية، وتنويع هوامشها السياسية والأمنية والاقتصادية بعيدًا عن علاقات الاعتماد التقليدية.
ومن هنا يمكن قراءة ما يتشكل بين الجزائر ونيامي باعتباره انتقالًا تدريجيًا من مجرد الجوار الحدودي، إلى بناء اعتماد استراتيجي متبادل. ولتتضّح الصورة؛ فالبيانات -مذ دُشنت عاد دفء العلاقات مجددًا-؛ تكشف جزءًا من الصورة، والمشاريع تكشف بقيتها؛ كفرا في النفط، تعاون في الكهرباء حيث تم تدشين محطة توليد كهرباء تضامنية في منطقة “غوروباندا” بالعاصمة نيامي بقدرة إجمالية تبلغ 40 ميغاواط؛ وتعمل المحطة عبر تركيب توربينتين غازيتين بسعة 20 ميغاواط لكل منهما؛ ونُفذ المشروع عبر شراكة بين مجمع سونلغاز الدولي والشركة النيجرية للكهرباء “نيجيلاك”. وتقارب أمني ودفاعي واللذين شهدا هبة مروحيات هجومية ومروحيات نقلٍ، وفي الخلفية مشروع أقدم هو أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يفترض أن يصل نيجيريا بالجزائر عبر النيجر.
وهنا تظهر الصورة الجيوسياسية الكبرى في تقديري: الجزائر تحاول أن تحول حدودها الجنوبية من هامش أمني مضطرب إلى امتداد لعمقها الاستراتيجي، بينما تحاول النيجر تحويل موقعها من دولة حبيسة في الساحل إلى عقدة عبور للطاقة والمصالح بين غرب أفريقيا وشمالها.
وهذا هو ما يجعل بئر النفط «كفرا» أكثر إثارة للاهتمام من مجرد بئر جديدة. فالمنافسة في الساحل تجاوزت امتلاك القواعد العسكرية، أو تدريب الجيوش، وبيع الأسلحة؛ إلى تنافس جيوسياسي على بناء البنية التحتية التي ستحدد اتجاه حركة الطاقة والتجارة والنفوذ خلال العقود المقبلة.
▪️ التعاون الأفريقي الأفريقي الذي نتمنّاه
وهذه التطورات الأخيرة ؛ تحديدًا هو نوع التعاون الإقليمي الذي ظللنا ندعو إليه في الساحل. فالسياسة قد تتقلب، والأنظمة تتغير، والتحالفات الدولية تأتي وتذهب؛ أما الجغرافيا فلا تنتقل من مكانها.
والنيجر ستظل جنوب الجزائر، والجزائر ستظل البوابة المتوسطية الكبرى الأقرب إلى النيجر. وبينهما حدود تتجاوز 950 كيلومترًا، وفضاء صحراوي واحد، وتهديدات أمنية عابرة للحدود، ومصالح متداخلة في الطاقة والتجارة والهجرة والأمن.
ولقد كررت أكثر من مرة؛ أنّ الجيرة قدر جيوسياسي؛ لكن تحويل هذا القدر إلى مكسب استراتيجي هو قرار سياسي.
الدول الواعية هي تلك التي تحوّل حقائق الجغرافيا، إلى الاستثمار؛ فتحوّل الحدود من خطوط للفصل إلى ممرات للمصالح، والجوار من مصدر للمخاطر إلى مصدر للقوة، فالجغرافيا تمنحك الجار، لكنها لا تمنحك الشراكة؛ تلك تصنعها السياسة. بتعبير جيو-استراتيجي صريح؛ الدول الذكية هي التي تحوّل القرب الجغرافي إلى اعتماد استراتيجي متبادل (Strategic Interdependence)، بحيث تصبح مصلحة كل طرف في استقرار الآخر جزءًا من حساباته الاستراتيجية.
ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن نقرأ ما يجري اليوم بين نيامي والجزائر؛ من الأمن والدفاع، إلى الكهرباء والطاقة والمحروقات، وصولًا إلى إطلاق أعمال حفر بئر «كفرا» النفطية.
وختامًا؛ أرى أنّ كفرا ليست بداية القصة؛ إنها أحد الشواهد على أن طبيعة العلاقات الجيوسياسية بين النيجر والجزائر نفسها بدأت تتغير؛ وإلى الأفضل!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى