كتاب وشعراء

قصة قصيرة (صك ملكية )… بقلم صباح عبد الحليم نصار

كم كانت حياتي تمتلئ بتلك الأشياء التي تملكها يدي، ليتمتع بها غيري، ثم يتمناها قلبي.
فمنذ أن كنت طفلا تعودت أن أتمنى ما أملك، لم تكن لدي الجرأة على التمسك بما بين يدي رغم أنه حقي .
ثم أعود وأحلم قائلا:
_ آه.. لو كان لدي كذا .
فعندما كنت طفلا كان أبي يأخذ ألعابي ويعطيها إلى أخي بحجة أنه الأصغر ، لم أكن أتمرد أو أصرخ أو حتى أعلن إعتراضي باكيا، كان الصمت يلعب دور البطل ليعلن خضوعي، أقول محادثا نفسي
_ لا بأس فهو أخي وأنا أحبه .. يوما ما سيصبح ممتنًّا لما أفعل.
عندما أذهب إلى صديقي كي ألعب معه أحلم لو أن لدي ألعابا مثله .
هو لم يكن حلما مستحيلا فأنا حقا لدي الكثير منها، ولكن لم يكن لدي حق في التمتع بها، أو حتى صوت للاعتراض .
عندما كبرت ظل أبي على ما يحمل من قسوة قلب، مازالت التفرقة تلازم تصرفاته، كنت أراه وهو يحنو على أخي، كم كان يبدو لطيفا، يشبه الملائكة حين يربت على كتف أخي، حين يحتضنه في لحظات المرض بينما أعاني بلا صوت، يذوب جسدي قهرا ولا أحد يدري، فكنت أنظر إليه وأتمنى أبا مثله، أتخيل لو أن هذا أبي، ثم أتساءل ألم يكن أبي حقا ؟
فلماذا أصبح بالنسبة لي مجرد حلم مستحيل! ربما لو كنت تحدثت إليه حينها لتغير الوضع، ولكن كالعادة كانت يدي عاجزة عن أن أمدها لأنتزع حقي فيه، استسلم عقلي ككل مرة لفكرة أن مملكتي ليست من هذا العالم .
سرت في طريقي وأنا أصنع خيالا ليجعلني أرى ما في حوزتي وكأنه أصبح أخيرا تحت تصرفي .ولكنه في النهاية كان مجرد خيال .
كم عشت من لحظات مواجهة مع والدي أخبره فيها بظلمه، أعلمه أن من حقي أن أتقاسم حنانه مع أخي، مواجهات لم تكن تتعدى مجرد شطحات عقل عاجز إلا عن الخيال، أقف أمام المرآة و أنطق بكل ما أحمل من مواجع، لكن صدى كلماتي لم يكن يتخطى باب غرفتي .
أكملت باقي الطريق هكذا فقط أرسم خيالا من الأمنيات ، وكلما حاول عقلي أن يثور هامسني قلبي
_ إنه أخوك ، يوما ما سيصبح ممتنا لما تفعل.
كنت أقضي الساعات طوال يومي غارقا في شركة والدي لأنجز أعمالي ظللت هكذا سنوات طويلة حتى استطعت أن أفتتح فرعا آخر، كان تتويجا لتعبي طوال سنوات، ولكن أيا من أوراق ملكيته لم يحمل اسمي، لم أعترض خشية أن أغضبه قلت لنفسي
– أنت ومالك لأبيك .
تذكرت كل هذا الآن وأنا أقف على عتبات الطريق بلا مأوى، أبحث عن نقطة البداية لأبدأ منها.
أسير في طريقي تزلزل الحسرة قاع قلبي، أنظر إلى الناس من حولي بعيون ماتت الحياة بداخلها، فأصبحت كمغارة هاربة إلى صحراء نائية، تهرب من ضجيج الغدر إلى سراب الطمأنينة المزيف.
أرى البيوت من حولي فأتمنى لو لدي بيتا مثلها، لو أن لدي عائلة تحتضن وحدتي، ثم تذكرت هذه المرة أيضا أن لدي كل هذا، أبحث عما أملك وكأنه سراب ضائع حتى انتهى بي الحال كطفل ضال.
فقد مات أبي ، لأكتشف أنه لم يكتب لي شيئا مما ترك ، وخرجت طريدا ، لا أحمل إلا أصفارا. حينها تذكرت الفرع الذي أسسته بدماء أوجاعي، وأخذت أحادث نفسي:
_آه.. لو كان لدي فرع مثله لكانت تلك بدايتي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى