رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب: مرايا السلطة

إحتفل العراقيون بإعدام الدكتاتور في 30 كانون الاول 2006 لكن أحداً لم يحدق في مرايا التابوت الذي كان يعكس وجوه المحتفلين الراقصين، ووجوه سلالات طويلة من القتلة عبر التاريخ،
لكن هذا الفرح سرعان ما سينطفيء عندما يتأكد لهم ان المقتول هو وهم الاوهام،
فالدكتاتور لا يموت لانه عقلية وذهنية وطريقة حكم وحارس سلالة،
وموته الوحيد في القطيعة مع تاريخ وعقلية حيازة وامتلاك السلطة واعتبارها غنيمة حرب والشعب أسرى في معسكر إعتقال.
نحن اليوم في الاحتفالات الساذجة نفسها والعقل الغوغائي السطحي نفسه في أن السلطة هي انحرافات فردية ومجموعة لصوص وليست مؤسسة جهنمية باطشة وروابط سرية خارجية وداخلية وشبكة مصالح ودول ومخابرات ومصارف ومافيات وعصابات والخ. نحن أمام مرايا السلطة نفسها التي تعكس وجوهنا.
سيارة البيك أب البيضاء المخصصة ذلك الفجر لنقل اضاحي العيد التي نقلت صدام حسين الى المقبرة بعد الشنق عندما حملته مروحية، تعكس ذروة المشهد الختامي لحياة رجل، سيتحول الى أشباح وأطياف وكوابيس تستعصي على الموت العقلي رغم الموت الجسدي، والكابوس وأشباحه لا مكان ولا زمان له،
ويتنقل في الوعي واللاوعي والشوارع بكل حرية وصمت وحضور طيفي،
هو “حارس السلالة” ــــــــــــــــــــــ عنوان روايتنا ــــــــــــــــــ وحارس بوابة الأحلام المعتقة ونموذج الطاغية الشرقي عبر كل القرون.
كلما نظرت الى رجالات صدام في قفص المحكمة شعرت انهم خليط من جلادين وضحايا عجلة جهنمية ضخمة مسننة وحشية اسسها مخلوق مريض مشوه بقناع سياسي وأن مصائر هؤلاء كانت ستختلف حتماً لو وجدوا أنفسهم في ظروف معاكسة.
خلال حواراتي الطويلة مع المرحوم صلاح عمر العلي ـــــــــــــــــ وهو أحد انقلابي فجر تموز1968 ــــــــــــ يوم كان رئيس تحرير جريدة” الوفاق” المعارضة في التسعينات في لندن وكنت كاتباً رئيسياً ثابتاً فيها، سألته مرة” ما الذي جمعكم بصدام حسين؟” وكان العلي مشاركا في فجر انقلاب 17 تموز 1968 وهو من قاد الرئيس عارف الى طائرة الى المنفى وكان يسأله في الطريق” من أنتم؟” هو سؤال القذافي خلال الاحداث العاصفة. يبدو ان الحاكم العربي يطرح الاسئلة المتاخرة عندما لا يكون للجواب معنى.
أجاب العلي” جمعنا بصدام نداء الخبز والفقر والثورة وعندما طلب منا البكر في أول اجتماع البحث عن من يتولى دائرة الأمن رفضنا جميعا لاننا كنا نعتبر انفسنا مناضلين لكن صدام قبل الوظيفة وتلك كانت الكارثة عندما أسس جماعات موالية من الأقارب ومن شقاوات الشوارع وعندما أفقنا وجدنا أنفسنا في حصار خانق”.
ذكرني هذا الحوار بلافرينتي بيريا رئيس الأمن السوفيتي في عهد ستالين وجهاز الشرطة السرية، ومفوض الشؤون الداخلية وهو جهاز سري أمني آخر،
ومن الملاحظ أن الدكتاتور العربي أقام هذه المنظمات الأمنية نفسها،
مع النهايات نفسها لقادتها في زمن ستالين،
لأنهم عرفوا أكثر مما يجب ومن النادر ان يكون مدير مخابرات او وزير داخلية عربي قد نجا من” حادث دهس” أو ” حادث مرض” أو ” الطرد” لكي يحمل هو آثام النظام وكبش الفداء تقليد عريق.
غالبية ان لم يكن جميع مدراء جهاز المخابرات والامن العراقي زمن صدام تم اعدامهم بتهم زائفة. نسبت الى بيريا جرائم تصفيات كثيرة تجاوزت الملايين، علماء وضباط ومثقفين بالالاف ومعسكرات اعتقال وأشغال شاقة بل التهجير،
لكن سيرغو بيريا الإبن وضع في السنوات الأخيرة كتاباً مثيراً وموثقاً بعنوان:
” أبي لافرنتي بيريا: مرآة ستالين الدموية”.
كان سيرغو في تلك الفترة شاباً وهو عاصر تلك الأحداث ورافق الأب لذلك جاء كتابه صادماً حقاً وخاصة بعد رفع السرية عن وثائق المخابرات والأمن،
وسيرغو في كل الكتاب يؤكد على فكرة محورية:
لا أدافع عن أبي ولا أجمله رغم ما نسب اليه من أفعال تمت المبالغة وتضخيم بعضها، لكن أبي كان في نظام مؤسس على آلة جهنمية تسحق كل من يقف في طريقها،
وتحميل أبي كل الجرائم ليس صحيحاً، وكل من جاؤوا بعد قتل ستالين بالسم وهو نائم بحقنة من ممرضة أو مدبرة المنزل أو” القلعة” السرية،
بتخطيط خروتشوف وجماعته كانوا شركاء في كل الجرائم، لكن حملة دعائية كبيرة ومركزة تعرضت لوالدي كما لو أنه الوحش الوحيد في نظام عادل”
لكن هؤلاء جعلوا من ستالين وبيريا الشياطين وهم الملائكة وكانوا يتسابقون في القتل لكسب اعجاب ستالين لان العجلة المسننة تسحق أي برغي عاطل.
للتذكير أن خروتشوف أعدم بيريا بعد موت ستالين لا لأنه مجرم،
بل لكي يخفي جرائمه هو . وفي حوادث يذكرها الإبن أن والده كان يحاول التخفيف من وحشية خروتشوف ـــــ جاء بعد ستالين ـــــ للقتل مع كل أعضاء القيادة الذين تولوا السلطة بعد ستالين.
رواية سيرغو للتاريخ قلبت كثيراً من القناعات والمرويات السائدة لانها كتبت بعمق وجسارة وتوثيق، وعادة تكون سرديات نظم الحكم والاحزاب هي الشائعة والمتداولة ومع الزمن ترسخ في الوعي العام،
وتتحول الى حقائق ولم يكن الكتاب دفاعا عن بيريا بل لتفكيك تلك العجلة التي اسمها النظام الذي غالبا بعد ان ينتهي تلقى المسؤولية على أفراد.
ماهر الاسد كما يقال اليوم كان يستدعي الفنانات للمتعة، وعدي صدام حسين يقيم الحفلات للفتيات ويجري ما يجري،
المشكلة اذن في ماهر وعدي وليس في تلك الحشود من النساء للحصول على بركاته ولو في سرير وليس في تلك الأسر التي تركت بناتها سائبات وليس في الفريق الواسع من مجهزي تلك الليالي الحمراء. أي نحن أمام مجتمع.
هذا هو الاختزال العقلي الذي يلغي تجريد الافراد من انسانيتهم لكي يصبحوا تروسا في عجلة جهنمية اسمها السلطة ولا في العدالة المرضية التي يؤسسها الطاغية ولا في الجمهور الخائف المذعور ولا في تقاليد السلطة التي تتحول الى اعراف وقوانين واخلاق.
كل ذلك يخلق” مرايا الطاغية” أمس واليوم لأنها قواعد ثابتة نسبيا وربما تتغيير المظاهر . الطاغية ليس فردا كما في الادب العربي بل هو منظومة ثقافية مشوهة وحشود من المتملقين والحواشي والاتباع والاجهزة الامنية والاعلامية وحتى بعد موت الطاغية تبقى العقلية نفسها وتنتج طغاة كما حصل ويحصل لأن البيئة والرحم والحاضنة لم تتغير.
ماذا يمكن الاستنتاج من ذلك؟ نظم الحكم القمعية أو الفاسدة والعدالة أمران متناقضان، ومع أن أفرادها يتحملون كامل المسؤولية،
لكن المسؤول الرئيس هو النظام المؤسس على هذه العقلية، الحيازة والاحتكار والقمع، ولا يتغير النظام بتغير الأفراد أبداً بل لا خيار سوى تغيير النظام نفسه والمجتمع الذي انتجه.
لا يمكن أن تضع مجموعة رهبان وصوفيين وزهاداً في حفلة تعرية وصخب وتتوقع صلاة جماعية أو حفلة لقداس كنائسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى