حسام السيسي يكتب :من السند إلى النيل: حين تصبح المياه اختبارًا للقوة
ماذا لو وضعت مصر قناة السويس ضمن حسابات القوة؟

لا أستطيع أن أقرأ ما جرى في ملف سد النهضة باعتباره مجرد خلاف مصري ـ إثيوبي حول المياه، ولا أستطيع أن أتعامل معه باعتباره ملفًا فنيًا أو تفاوضيًا منفصلًا عن مكانة مصر نفسها.
لأن السؤال، في تقديري، أكبر من السد:
ماذا حدث للقوة المصرية؟
كيف وصلنا، ونحن الدولة التي ظل النيل بالنسبة إليها مسألة حياة وأمن قومي، إلى أن يصبح السد واقعًا قائمًا، ثم نبدأ في التحذير من سدود أخرى قد تُبنى فوق هذا الواقع؟
هنا تحديدًا أجد نفسي أمام مقارنة تستحق التوقف.
في باكستان، عندما دخلت مياه السند في صلب المواجهة مع الهند، لم تتعامل إسلام آباد معها باعتبارها مجرد خلاف فني يمكن إدارته باللجان والوساطات. تحولت المياه إلى قضية أمن قومي، وخرج وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف ليعلن أن المساس بأمن بلاده المائي يمكن أن يقود إلى الحرب.
لا أقول إن مصر كان عليها أن تعلن الحرب على إثيوبيا.
ولا أقول إن باكستان أقوى من الهند.
لكنني أقول شيئًا أبسط وأخطر:
باكستان أرادت أن يعرف خصمها أن للمياه ثمنًا سياسيًا وأمنيًا، بينما لم تنجح مصر بالقدر نفسه في جعل إثيوبيا تدرك أن تغيير قواعد النيل ستكون له كلفة واضحة.
وهنا يبدأ الفرق.
نحن تفاوضنا… وهم غيّروا الواقع
عشر سنوات من المفاوضات والوساطات والاجتماعات والبيانات والتحذيرات، بينما كانت إثيوبيا تتحرك على الأرض.
بدأ السد مشروعًا.
ثم أصبح بناءً.
ثم أصبح واقعًا.
ثم دخل التشغيل.
وفي كل مرحلة كنا نعود إلى التفاوض.
وهذه، بالنسبة لي كمصري، هي النقطة الأكثر إيلامًا في القضية كلها:
كنا نتفاوض على منع تغيير الواقع، بينما كان الطرف الآخر يستخدم الزمن لتغيير الواقع نفسه.
وهذه ليست مجرد مشكلة في التفاوض.
إنها مشكلة في إدارة القوة.
فالتفاوض أداة من أدوات الدولة، وليس استراتيجية قائمة بذاتها. وعندما يستطيع الطرف الآخر أن يبني ويملأ ويشغل بينما نحن نفاوض، يتحول التفاوض تدريجيًا من وسيلة لمنع الأمر الواقع إلى وسيلة لإدارة الأمر الواقع.
وهنا تكون الدولة قد خسرت المبادرة.
أين كان وزن مصر؟
مصر ليست دولة صغيرة حتى تتعامل مع قضية تمس مياهها بهذه الطريقة.
لدينا جيش.
لدينا موقع جغرافي لا يمكن تجاوزه.
لدينا قناة السويس.
لدينا علاقات دولية واسعة.
ولدينا تاريخ وثقل عربي وإفريقي.
ولدينا أوراق كثيرة.
لكنني لا أعتقد أن المشكلة كانت يومًا في غياب أوراق القوة.
المشكلة كانت في تحويل هذه الأوراق إلى وزن سياسي محسوس.
فالقوة ليست أن تملك الأوراق فقط.
القوة أن تجعل الآخر يفكر فيها قبل أن يتحرك.
وهنا أسأل نفسي، وأسأل بلدي:
عندما تتخذ إثيوبيا قرارًا جديدًا بشأن النيل، هل يكون السؤال في أديس أبابا:
ماذا ستفعل مصر؟
أم:
ماذا ستقول مصر؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين دولة تستخدم وزنها، ودولة تستخدم خطابها.
وهذا تحديدًا ما يجب أن يقلقنا.
ماذا لو تصرفت مصر كقوة إقليمية؟
هنا أطرح سؤالًا قد يراه البعض صادمًا:
ماذا لو تعاملنا مع أنفسنا فعلًا كقوة إقليمية؟
ماذا لو أصبح لكل خطوة إثيوبية حساب سياسي واقتصادي وإقليمي؟
ماذا لو استخدمت مصر أوراقها، أو على الأقل جعلت الآخرين يعرفون أنها مستعدة لاستخدامها عندما تتعرض مصالحها الحيوية للخطر؟
وهنا أطرح تمرينًا ذهنيًا لا اقتراحًا سياسيًا:
ماذا لو قررت مصر، مثلًا، إغلاق قناة السويس ليوم واحد احتجاجًا على تصرف إثيوبي؟
أنا لا أطرح إغلاق القناة باعتباره قرارًا ينبغي تنفيذه، ولا أتجاهل كلفته الاقتصادية والقانونية والدولية على مصر نفسها.
القصد من السؤال مختلف تمامًا.
القصد هو اختبار طريقة تفكيرنا في القوة:
هل ما زلنا نفكر بعقلية الدولة التي تمتلك أدوات ضغط، أم أننا أصبحنا نفكر فقط في كيفية الدفاع عن أنفسنا داخل الأدوات التقليدية؟
قناة السويس ليست مجرد ممر مائي.
إنها واحدة من أهم أوراق القوة المصرية.
ولذلك فالسؤال الحقيقي ليس:
هل نغلقها أم لا؟
بل:
هل يعرف الآخرون أن مصر تملك أوراقًا تستطيع استخدامها عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي؟
هنا يبدأ الردع.
لا أريد حربًا… أريد أن تعود مصر ثقيلة
وأنا أقول هذا كمصري، لا كمنظّر يبحث عن معركة.
لا أريد حربًا مع إثيوبيا.
ولا أعتقد أن الحرب هي الحل الأول أو الأفضل.
لكنني أيضًا لا أقبل أن يصبح رفض الحرب مرادفًا لقبول الأمر الواقع.
القوة ليست الحرب.
القوة أن تجعل الحرب آخر احتمال في حساب خصمك، لا أول احتمال في حسابك أنت.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء معادلة القوة المصرية حول النيل:
دبلوماسيًا، نعم.
إفريقيًا، نعم.
اقتصاديًا، نعم.
استخباراتيًا، نعم.
معلوماتيًا، نعم.
وعسكريًا إذا اقتضت الضرورة.
لكن الأهم أن تعمل هذه الأدوات داخل رؤية واحدة، لا كتحركات منفصلة كلما ظهرت أزمة جديدة.
إذا كانت إثيوبيا تبني نفوذًا في إفريقيا، فلنواجه ذلك بنفوذ مصري.
إذا كانت تبني تحالفات، فلنستخدم تحالفاتنا.
إذا كانت تستخدم الزمن، فعلينا أن نستخدم الزمن.
وإذا كانت تحاول تحويل المياه إلى أداة نفوذ، فلماذا لا نحول نحن أيضًا وزن مصر المائي والجغرافي والاقتصادي إلى جزء من معادلة القوة؟
إثيوبيا لم تهزم مصر… لكنها غيّرت معادلة القوة
وهذه نقطة مهمة.
أنا لا أقول إن مصر هُزمت.
لكنني أقول إننا خسرنا جزءًا من وزننا.
والفرق كبير.
مصر ما زالت مصر.
لكن الوزن الإقليمي ليس شيئًا مضمونًا إلى الأبد.
قد تبقى الدولة كبيرة بينما يتراجع تأثيرها.
وقد تمتلك القوة بينما يضعف أثرها السياسي.
وقد تكون لديك كل الأوراق، لكنك لا تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل أن يتحركوا.
وهذا تحديدًا ما كشفته أزمة سد النهضة.
إثيوبيا لم تكن بحاجة إلى هزيمة مصر.
كان يكفيها أن تغيّر الواقع خطوة بعد أخرى.
والأخطر أن هذا الواقع أصبح الآن نقطة البداية لأي تفاوض جديد.
السد انتهى… لكن المعركة لم تنته
السد بُني.
هذه حقيقة.
ولا فائدة من أن نظل أسرى للسؤال القديم:
كيف كان يمكن منع بنائه؟
السؤال الذي يجب أن يشغلنا الآن هو:
ماذا بعد السد؟
هل نسمح بأن يتحول السد إلى بداية لسلسلة جديدة من الوقائع التي تُفرض علينا واحدة بعد أخرى؟
أم نستعيد المبادرة؟
لأن المعركة المقبلة ليست فقط على كمية المياه.
إنها على من يملك حق رسم قواعد النيل.
وهنا لا أريد من مصر أن ترفع صوتها.
أريدها أن ترفع كلفة تجاهلها.
لا أريد بيانات أكثر.
أريد أن يصبح هناك ما وراء البيانات.
لا أريد أن تقول مصر فقط:
«لن نسمح».
أريد أن يعرف الطرف الآخر ماذا تعني مصر عندما تقول: لن نسمح.
هذه هي المسافة بين الكلام والقوة.
وبين أن تكون مصر دولة كبيرة…
وأن تكون مصر قوة إقليمية يحسب الجميع حسابها.
باكستان فهمت أن المياه يمكن أن تكون جزءًا من الردع.
إثيوبيا فهمت أن المياه يمكن أن تكون جزءًا من النفوذ.
وأعتقد أن الوقت حان لكي نفهم نحن أيضًا أن النيل ليس فقط مصدر حياة مصر، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من قوتها إذا أحسنا إدارة القوة المصرية من حوله.
لأن السؤال لم يعد:
هل ستبني إثيوبيا سدًا آخر؟
السؤال الحقيقي هو:
هل ما زالت إثيوبيا، قبل أن تفعل، تسأل نفسها: ماذا ستفعل مصر؟
إذا لم تعد تفعل…
فهنا تحديدًا يجب أن نقلق.