تقارير وتحقيقات

رسائل “غارات أبو الظهور” إلى سوريا وتركيا: هل تريد إسرائيل إسقاط أحمد الشرع فعلًا؟

كتب:هاني الكنيسي
الهدف من الغارات الثماني التي استهدفت مطار “أبو الظهور” العسكري في ريف إدلب، أمس الثلاثاء، بحسب الرواية الإسرائيلية، كان “منع تحشيد” قوات تركية في القاعدة (المهجورة) والحفاظ على “الوضع القائم” في سوريا.
لكن “توقيت” الضربة الإسرائيلية المباغتة، التي لم تسفر عن خسائر بشرية وأدت فقط إلى تدمير مدرج المطار ومستودعات التخزين- حسب رويترز، و”رمزية” المطار الذي كان أحد أبرز المواقع العسكرية في تاريخ الصراع بين فصائل المعارضة السورية والقوات الحكومية الموالية للأسد (استولت عليه “جبهة النصرة” -وهي شعبة تنظيم “القاعدة” التي اندمجت لاحقًا تحت “هيئة تحرير الشام” بزعامة ‘أبو محمد الجولاني’ الذي أصبح الرئيس ‘أحمد الشرع’- في سبتمبر 2015 بعد حصار دام عامين، قبل أن تستعيده القوات الحكومية في يناير 2018، بدعم روسي)، جددتا جدلا ترجمه الإعلام العبري في سؤال: هل حان وقت إسقاط نظام الشرع المتحالف مع تركيا؟
بعض الإجابة يطرحه الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي ‘يائير كلاينباوم’ Yair Kleinbaum في مقاله الأخير بعنوان “لماذا تريد إسرائيل إسقاط أحمد الشرع؟”.
فينطلق من فرضية أن إسرائيل ارتكبت “خطأ استراتيجياً” عندما افترضت أن سقوط الأسد سيقود تلقائياً إلى سوريا أضعف وأكثر أمناً بالنسبة إليها. ويحذر من أن “الفراغ الذي تركه الأسد لم يبقَ فراغاً في عهد الشرع الواقع تحت هيمنة تركيا”.
يكتب ‘كلاينباوم’: “العملية كانت ضرورية… لكنها غير كافية، لأن تدمير مدرج يمكن إصلاحه، ومستودع يمكن إعادة بنائه، ورادار يمكن استبداله، لا يدرأ الخطر الأكبر”، ويضيف نصًا: “طالما أن حكومة دمشق مصممة على بناء آلة عسكرية إسلامية قوية، ستضطر إسرائيل للعودة كل بضعة أشهر لتدمير قطعة أخرى من بنيتها التحتية”.
وينتقل الكاتب اليميني إلى “زبدة” المنطق الإسرائيلي (الصهيوني)، بقوله: “إن مصدر التهديد ليس قاعدة جوية أو مستودع أسلحة… مصدر التهديد هو النظام نفسه”، مضيفًا عبارته الكاشفة: “العدو المستقر أقوى من عدو ممزق”.
والحقيقة ‘كلاينباوم’ يمثّل تياراً بات يهيمن على النقاش الأمني والسياسي في إسرائيل، ويؤمن بأن نجاح دمشق في توحيد مؤسسات الدولة وإعادة بناء جيش مركزي سيكون أخطر على إسرائيل من حالة الوهن العسكري والخطاب الدعائي في عهد حافظ الأسد، ومن وضع التفكك مع اندلاع الحرب الأهلية في عهد ابنه بشار.
فهل بدأت إسرائيل تنظر إلى أحمد الشرع -الذي رحّبت سابقًا بمقدمه- باعتباره جوهر المشكلة؟
في تعليقه المتأخر على غارة “أبو الظهور”، قال مكتب النتنياهو إنها جاءت “بعدما اقتربت سوريا من خرق تفاهمات ‘الوضع القائم’ عبر السماح بنشر قوات تركية في القاعدة”.
وبينما نفت أنقرة رسمياً الرواية الإسرائيلية ودانت الهجوم باعتباره انتهاكاً للسيادة السورية، وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ‘توم براك’ الغارات بأنها “تصعيد لا ضرورة له”، وقال: “كنا على شفا مواجهة عسكرية غير محمودة العواقب بين إسرائيل وتركيا على أرض سوريا”.
وبحسب موقع ‘أكسيوس’، فقد “انزعجت” واشنطن من الغارة الإسرائيلية، رغم إبلاغ إدارة ترمب بها مسبقاً من جانب النتنياهو الذي قدم -كالعادة- معلومات استخباراتية مفادها أن “الضربة ضرورية لمنع مشروع عسكري تركي في الموقع”.
المفارقة في أن إسرائيل كانت أحد أكبر المستفيدين من انهيار نظام الأسد في ديسمبر2024 ، وخصوصا مع تراجع النفوذ الإيراني (واختفاء حزب الله). بل واستغلت الفوضى الميدانية اللاحقة في تدمير كميات ضخمة من الأسلحة والبنية العسكرية التي خلفها الجيش السابق، وفي تعميق توغلاتها في العمق السوري متجاوزةً حدود الجولان المحتلة.
لكن يبدو أن ظهور نظام جديد قادر على استعادة “السيطرة المركزية” يثير مخاوف إسرائيل القلقة من مساعي دمج فصائل مسلحة “وُلدت من رحم بيئة جهادية”، تحت راية جيش سوري واحد وموحد، ووثيق الارتباط بتركيا –التهديد الإقليمي الأخطر.
وفي هذا السياق، تشير دراسات إسرائيلية عدة، مثل أبحاث “معهد دراسات الأمن القومي” INSS، إلى أن إسرائيل تواجه “معضلة مزدوجة” في سوريا: شكوك عميقة في خلفية الشرع ونواياه، مقابل احتمالات الاستفادة من دمشق “البراغماتية” المدعومة أمريكيا والبعيدة عن نفوذ إيران.
لكن مكمن الخطر الحقيقي في المعادلة الإسرائيلية هو تركيا التي أصبحت -منذ سقوط الأسد- أكبر الداعمين لبناء سلطة مركزية في دمشق، ولإعادة بناء جيش قوي يسيطر على حدود البلاد، فضلا عن كونها صاحبة الوجود العسكري الأكبر على أرض سوريا بعد انحسار الوجود الروسي واختفاء الإيراني.
لذلك فإن الرسالة الإسرائيلية من قصف مطار “أبو الظهور” الذي يبعد نحو 45 ميلاً فقط من الحدود التركية (وكانت أنقرة على وشك إعادة تشغيله ونشر قواتها فيه، وفق تقارير استخباراتية غربية)، كانت موجهة إلى تركيا بقدر ما كانت موجهة إلى دمشق.
إذ يرى العديد في إسرائيل أن رجب طيب أردوغان يعامل “سوريا الجديدة” كجزء من إعادة ترتيب دور تركيا الإقليمي. ويقرّون بأنه يمتلك “أوراقاً استراتيجية” يصعب مضاهاتها: علاقات وثيقة مع حكومة الشرع، ونفوذ داخل القطاعات العسكرية السورية وعلى الفصائل المحلية، فضلا عن وزن تركيا الإقليمي كعضو في حلف ‘الناتو’ وعبر علاقاتها المتشابكة مع واشنطن وموسكو والعواصم العربية.
وهذا ربما ما يفسر العبارة التي أوردها ‘يائير كلاينباوم’ في مقاله: ” الغارات ليست إلا محاولة تكتيكية لإيقاف تراكم عسكري (تركي)؛ يتواصل شحنة تلو الأخرى”.
أما الخلاصة، فتبلورت في فقرته الختامية بالقول: “تدمير مدرج واحد قد يوقف انتشاراً تركياً لمرة واحدة… لكنه لن يوقف المشروع السياسي الذي يقف خلفه. الاستراتيجية المثالية يجب أن تتركز على عدم السماح لنظام الشرع بالبقاء في دمشق”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى