
كم مرة قلت «نعم» بينما كان كل ما بداخلك يريد أن يقول «لا»؟
كم مرة وافقت على أمر لا يناسبك، فقط حتى لا تغضب شخصًا تحبه، أو حتى لا تُتهم بالأنانية، أو لأنك تخشى أن تخسر علاقة مهمة؟
نحن نعيش أحيانًا تحت ضغط فكرة أن الإنسان الجيد هو الذي يوافق دائمًا، ويساعد دائمًا، ويتنازل دائمًا. ومع الوقت قد يتحول هذا السلوك إلى عبء نفسي، لأننا نبدأ في إعطاء الآخرين مساحة أكبر من المساحة التي نمنحها لأنفسنا.
ومن منظور الصحة النفسية، فإن قول «لا» ليس قسوة، وليس أنانية، وليس دليلًا على ضعف العلاقات. أحيانًا تكون كلمة «لا» واحدة من أكثر الكلمات التي تحمي توازننا النفسي.
أن تقول «لا» يعني أن تدرك أن لك حدودًا، وأن وقتك وطاقتك ومشاعرك لها قيمة. ويعني أيضًا أن تفهم أنك لست مسؤولًا عن إرضاء الجميع طوال الوقت.
لكن المشكلة أن كثيرًا من الناس لا يخافون من كلمة «لا» نفسها، وإنما يخافون مما قد يأتي بعدها: غضب الآخرين، لومهم، ابتعادهم، أو اتهامهم بأنهم تغيروا.
وهنا نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: هل أقول «نعم» لأنني أريد فعلًا؟ أم لأنني أخشى رد فعل الآخرين؟
الفرق كبير.
عندما نعتاد الموافقة على كل شيء، قد نصل إلى مرحلة نشعر فيها بالغضب والاختناق والاستنزاف، ثم نلوم الآخرين لأنهم أخذوا أكثر مما نستطيع أن نعطي. بينما في كثير من الأحيان لم نوضح لهم حدودنا من البداية.
قول «لا» لا يعني أن نرفع صوتنا أو نجرح الآخرين. يمكن أن نقولها باحترام وهدوء:
«أقدّر طلبك، لكن لا أستطيع.»
«أتفهم حاجتك، لكن هذا الأمر لا يناسبني.»
«أحتاج إلى بعض الوقت لنفسي.»
هذه الجمل البسيطة قد تكون صعبة في البداية، خصوصًا لمن اعتادوا إرضاء الآخرين، لكنها تصبح أسهل عندما ندرك أن احترام الآخرين لا يجب أن يكون على حساب احترامنا لأنفسنا.
والحدود الصحية لا تعني أن نغلق أبوابنا أمام الناس، وإنما أن نعرف أين تبدأ مسؤوليتنا وأين تنتهي مسؤولية الآخرين.
نحن نستطيع أن نساعد، لكن ليس علينا أن ننقذ الجميع.
نستطيع أن نحب، لكن ليس علينا أن نقبل الأذى باسم الحب.
نستطيع أن نكون متسامحين، لكن التسامح لا يعني السماح بتكرار الإساءة.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أن نقول «لا»، وإنما في أننا تربينا أحيانًا على الاعتقاد بأن قولها يجعلنا أشخاصًا سيئين.
لكن الحقيقة أن الإنسان الذي لا يعرف كيف يقول «لا» للآخرين، قد يجد نفسه في كثير من الأحيان يقول «لا» لنفسه دون أن يشعر.
لذلك، تعلم أن تقول «لا» عندما تحتاج إليها، وقلها باحترام، دون شعور دائم بالذنب.
فالصحة النفسية لا تعني أن نكون متاحين للجميع طوال الوقت، وإنما أن نعرف كيف نحافظ على أنفسنا ونحن نحافظ على علاقاتنا.
وأحيانًا تكون كلمة «لا» ليست رفضًا للآخر، وإنما احترامًا صادقًا للذات.