
أطلقت دار “ناشرون فلسطينيون” في منصات الكتب الإلكترونية المجانية طبعتها الأولى لعام 2026 من السِفْر النقدي الموسع المعنون بـ “الإضافات المسهبة في الثرثرات المحببة – قراءات في الرسائل”، والذي حُمِّل بشعار الدار “من فلسطين وحدودها العالم”.
ويتميز هذا العمل الفكري المحوري بكون المادة النقدية والتحليلية والرسائلية التي تتخلله قد جُمِعت وحُرِّرت وأُعِدّت بالكامل بجهود الفريق العلمي لدار “ناشرون فلسطينيون”، ليكون مرجعاً شمولياً يحيط بكافة الأبعاد الأسلوبية والسيكولوجية والسياسية التي أثارها كتاب “الثرثرات المحببة: الرسائل” للشاعر والناقد الفلسطيني فراس حج محمد، ويقع الكتاب الجديد في (200) صفحة تقريباً من الحجم المتوسط، وصمم غلافه الفنانة الفلسطينية ميسم فراس.
تؤكد المقدمة التي صاغتها دار “ناشرون فلسطينيون” أن جنس “أدب الرسائل” يمثل أكثر الأجناس الأدبية مراوغة ومخاطرة؛ كونه يقع على التخوم الفاصلة بين التعرية الوجدانية والمخاطرة التعبيرية أمام بيئة التلقي النقدي العام، وفي المشهد الأدبي الفلسطيني والعربي المعاصر، جاء كتاب “الثرثرات المحببة: الرسائل” للكاتب فراس حج محمد ليُشكل حجر الزاوية في هذا السجال؛ إذ تجرأ على التماس المباشر مع “المربّع المحرم” المتمثل في الدين، والجنس، والسياسة، والمسائل الاجتماعية، مضافاً إليها الممارسة النقدية ذات الطابع الأخلاقي.
من هذا المنطلق، تنبع أهمية السِفْر النقدي “الإضافات المسهبة في الثرثرات المحببة” بوصفه محاولة جادة لسبر غور تلك التجربة الرسائلية المثقلة بالصدق والتعري الإنساني، إذ لم يكن هدف القراءات المشاركة في هذا الكتاب التفتيش في السيرة الذاتية أو الوقوف عند الانفعال السطحي المتدفق عبر الرسائل، وإنما التوجه نحو تفكيك الأبعاد المعرفية، والنفسية، والأنثوية، والجمالية، والسياسية الحاضرة في ثنايا المكاتبات.
اشتمل المنجز النقدي على ثلاثة أبواب رئيسة تجمع بين القراءات النقدية والأكاديمية، والتوثيق الصحفي والقراءة الخوارزمية عبر الذكاء الاصطناعي، إلى جانب قسم خاص يستعيد رسائل مغيبة لم تُنشر في الطبعة الأولى لكتاب “الثرثرات المحببة”.
افتتح الباحث والناقد محمد الشبراوي القراءات النقدية ببحث مطول معنون بـ “الكاتب بين مطرقة تأثير الهالة وسندان النقد”، متخذاً من رسالة فراس حج محمد المؤرخة في 8 أغسطس 2018 منطلقاً تحليلياً.
ينفذ الشبراوي من خلال الرسالة ومضامينها إلى معالجة أزمة متجذرة في بيئة التلقي الأدبي العربي، حيث يعاني المبدعون الشباب والمجهولون من التهميش وصدمة الجدار الممتد أمام تجاربهم، ويُشخص الشبراوي مظهراً سيكولوجياً ونقدياً حاداً يُعرف بـ “تأثير الهالة” (Halo Effect)، إذ يتجه الجمهور والمؤسسات النقدية نحو الانبهار التلقائي بنتاجات الأسماء اللامعة والشهيرة بغض النظر عن القيمة الفنية الحقيقية للنص، في حين تُحجب أضواء الاحتفاء عن الطاقات المبدعة غير الشائعة.
واستشهد الشبراوي في هذا السياق بحدث تاريخي ومفصلي وقع في الحياة الأدبية المصرية عام 1963، حين قام محرر مجلة “الكواكب” أحمد رجب بمقلب نقداني شهير، طلب فيه من النقاد عبد الفتاح البارودي، ورجاء النقاش، وسعد أردش، وعبد القادر القط تقييم فني لمسرحية عبثية ادعى أن مؤلفا أجنبيا ألفها، فأفاض النقاد في التقريظ والثناء على قدرة المؤلف الفائقة في الحبكة والاقتصاد اللغوي والتعبير عن المأساة الوجودية، وتطورت الفضيحة الثقافية عندما أعلن أحمد رجب نفسه، مبيناً أنه هو من كتب النص في ساعة واحدة دون أي هدف أو معنى أو دراما حقيقية.
ولم يقف الشبراوي عند هذا الحد، بل أورد تجربة ساخرة أخرى على النقيض من هذه، فاختار مقالا لأحد الأعلام الكبار وادعى أن كاتبه كاتب شاب فرآه العقاد “سطوراً في منتصف الطريق تستحق التشجيع”، وقال إحسان عبد القدوس “أسلوب غير صالح للنشر”، بينما قال أنيس منصور “أسلوب مش بطال”، ومنحتها أمينة السعيد “صفراً من عشرة”.
يُوظف الشبراوي هذه الوقائع ليؤكد صحة طرح فراس حج محمد حول سطوة الأسماء المعروفة، متوجهاً بالنصيحة إلى الكتاب الشباب بضرورة المواصلة والصبر وعدم انتظار المديح أو الاستسلام لزهد الوسط الثقافي.
وفي القراءة الثانية يقدم الكاتب حسن عبادي قراءة فاحصة ومستفيضة لكتاب “الثرثرات المحببة”، يبدأها بالوقوف عند اللوحة العالمية “القارئة” للفنان جان أونوريه فراغونار، مبيناً أن اختيار امرأة تقرأ بشغف يعكس جمالية أُنثوية متحررة من قيود الجمود الأكاديمي، ثم يتناول إهداء الكتاب الموجه إلى كل امرأة راسلها الكاتب وراسلته، مشيراً إلى أن الحوار الوجداني ممتد ولا ينتهي، ويؤكد عبادي أنه على الرغم من طابع المجون الصريح الذي قد يتبادر في القراءة الأولى، إلا أن التفكيك العميق يكشف عن مضامين فلسفية وسياسية واجتماعية ونقدية شديدة الأهمية.
ويتوقف عبادي عند محاور مفصلية أثارها حج محمد في رسائله:
الموقف من السلطة والسياسة: يعري الكاتب واقع الفساد في الشأن الفلسطيني والعربي، مقدماً مقولته الصارخة: “الوطن للجميع والخيرات للفاسدين”، ومؤكداً اتحاد أدوات الاستبداد الداخلي مع سلطة الاحتلال لتقاسم الوطن المنكوب وإخضاع المواطن.
الشللية في الوسط الثقافي: يفضح الكاتب علاقات المصالح الضيقة في اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين والعرب، مشيراً إلى سقوط المثقفين في اختبار الانتخابات والمناصب، ومستشهداً بتراجع المشهد الثقافي وتفشي المداهنة.
العالم الأدبي والتواصل الإنساني: يبرز الكاتب تقديره لرموز إبداعية وفلسفية مثل جبران خليل جبران، ومي زيادة، وفرانز كافكا، ونيتشه، ومالك بن نبي، وغادة السمان، وفدوى طوقان.
الجنس والجسد: ينتقد عبادي المشاهد الجنسية المكشوفة والصريحة في الرسائل الموجهة لـ “أميرة الوجد ش. ح.” ولغيرها من المخاطبات، موضحاً أن الكاتب أفرط في الوصف الحسي المباشر للمضاجعة وتفاصيل الجسد الأنثوي، ومع ذلك، يرى عبادي أن الجسد هنا يُوظف كوسيلة لتمرير فلسفة الكاتب في التمرد والتطهر الروحي.
بعد المعاناة الإنسانية (رسائل صوفي): يتوقف عبادي عند المكاتبات المريرة والتبادل الوجداني مع الكاتبة “صوفي” التي أصيبت بمرض عضال وقررت العودة إلى عائلتها وأبنائها، مشيرة إلى الصراع النازف بين رغبة الجسد في الحياة وسلطة المرض والموت، وهو ما يمنح الرسائل عمقاً تراجيدياً إنسانياً ينفذ إلى القلوب.
ويقدم الناقد رائد الحواري قراءة متبصرة تحت عنوان “الإثراء الثقافي والثراء الإنساني في كتاب الثرثرات المحببة”، حيث يبدأ بتشخيص أزمة النشر المعاصر الذي يغرق في التكرار وتفاهة المحتوى وسطوة جنس الرواية على حساب الأجناس الأدبية الأخرى، ويرى الحواري أن اقتحام فراس حج محمد لجنس “الرسائل” يمثل مغامرة أدبية استثنائية تخترق السائد والمألوف.
يتناول الحواري محاور متعددة في بنية الكتاب:
موقفه من الرواية: يجيب حج محمد عن سؤال “لماذا لا تكتب الرواية؟” بموقفه الرافض للتطويع والتلبية النفعية لمتطلبات السوق الثقافي (“ديكتاتورية الرواية”)، مؤكداً أن الكتابة هي السيّدة المطلقة التي تقود الكاتب، وأن حرية الرسائل تمنحه الاستقلالية دون الخضوع لنماذج استهلاكية شائعة.
الجسد وفعل الكتابة: يربط حج محمد بين فعل الكتابة والفعل الجنسي؛ فالكتابة عمل سري يتطلب عزلة وطقوساً شبيهة بطقوس المضاجعة التي يراها بشكل رمزي بين القلم والورقة لتوليد النص الإبداعي.
عالم التخيل وصناعة دون جوان: يحلل الحواري حضور التخيل المكثف في الرسائل، مؤكداً أن الكاتب لا ينقل واقعاً بحتاً، وإنما يقيم مشروعاً أدبياً يتخذ من أجساد النساء وعواطفهن مادة خاماً لتقطير العطور الأدبية. فالمرأة هنا تشكل الوقود لبناء نص مدهش وصادم، حيث يتعمد الكاتب خلق شخصية “دون جوان” عصره ليتجاوز خيباته العاطفية القديمة.
فلسفة الجنس والمرأة الجرس: يبرز الحواري رؤية الكاتب للجنس كفعل التحام روحي وجسدي يستهدف العودة إلى أصل التوحد قبل انفصال الذوات، كما يتوقف عند الاستعارة المبتكرة التي طرحها حج محمد بكون “المرأة مجموعة من الأجراس” (اللسان مع الفم، الثديان، لسان الفرج، جسد المرأة مع الفستان)، حيث يتعامل مع الجسد الأنثوي كمنظومة رنين جمالي وفلسفي.
فلسفة الأضداد والتكامل: يستند الكاتب إلى آيات قرآنية ليصيغ رؤيته حول خروج الحي من الميت، وتداخل الأضداد (الذكر والأنثى، التمرد والتطهر، المادة والروح)، مشدداً على أن الفكرة تتسامى فوق الأشخاص.
الأحزاب السياسية: يرى الكاتب أن الانتماء التنظيمي الحزبي يهدد حرية الإبداع، متناولاً تجربته السابقة مع حزب التحرير والتخلي عنه لصالح الفضاء الفكري الحر، دون أن يتخلى عن أفكار الحزب في السياسة والفقه والاعتقاد والحياة الاجتماعية.
الجوائز الأدبية: يعبر الكاتب عن ازدرائه للجوائز الثقافية، واصفاً إياها بأنها مقبرة للكاتب تُحوله إلى مطارد للأوهام.
المؤسسة الدينية والدعاة: ينتقد الرؤية القاصرة لدى بعض الدعاة الذين يختزلون الجنة والنعيم الأخروي في مجرد مجالس للمتعة الجنسية، مؤكداً أن الجنة أرفع وأعمق من هذا المفهوم التشويهي.
الاحتلال والسلطة: يصف الكاتب مكابدة الحياة اليومية تحت الاحتلال الصهيوني عند الحواجز العسكرية، إلى جانب تعرية الفساد الإداري والوظيفي في التعيينات والمقابلات الحكومية التابعة للسلطة الفلسطينية.
نبل الكاتب وإبراز الآخرين: يثني الحواري على صنيع فراس حج محمد في توثيق ردود القراء والناقدين وتثبيتها في نهايات كتبه، مما يكرس ممارسة ديمقراطية تتيح للرأي الآخر الظهور بكرامة ونزاهة.
وتأتي قراءة الدار الناشرة (“ناشرون فلسطينيون”) المعنونة بـ “سيميائية الغضب وهيكلية النفس المقموعة” لتقدم تحليلاً نقدياً غير مسبوق للخاتمة الشديدة القسوة والغرابة التي أنهى بها حج محمد مجموعة رسائله.
يُعد هذا الفصل محاولة لتفكيك النص باستخدام أدوات المنهج اللساني-النفسي المركب (الجمع بين السيمياء والتحليل النفسي)، ويتوقف النص عند الرسالة الصادمة التي أطلق فيها الكاتب لعناته الصريحة على المرأة التي لا تهزها قصائد العشق، ويقدم التحليل تفكيكاً دقيقاً لهذه الرموز الحيوانية والنفسية:
الثعلب في الفم: تحويل موطن الشاعرية والقبلات (الفم) إلى جحر للثعلب الذي يرمز للمكر والتدنيس اللغوي.
الفئران على النهد العابث وفي الرسائل: تحويل النهد -مكمن الأنوثة والرضاعة والأمومة- إلى ملعب للفئران التي تعبر عن الخوف والخراب والاشمئزاز.
العناكب تحت الإبطين: دلالة الموت السريري، والإهمال الوجودي، والجمود، وتراكم العفن النسيجي.
الذباب في الفرج: تحويل الفرج- مركز اللذة والولادة والإغواء الأنثوي- إلى بيئة للذباب والتعفن والاستقذار الرمزي.
الجنادب والنمل والعقارب على الظهر والبطن والفخذين: تجريد الجسد الأنثوي كاملاً من صفات الجمال والنعومة، وتحويله إلى مسرح للمخلوقات الضارة، والقرص، والألم.
تشير هذه الدراسة النفسية إلى أن هذا الخطاب اللعني الشديد لا ينبع من موقف نسوي معادٍ للمرأة بمفهومه المؤسسي التقليدي؛ فالكاتب يُعد من أكبر المدافعين عن الأدب النسوي في كتابه النقدي “الكتابة في المواجهة”. وإنما يعكس النص انفجاراً نرجسياً وحالة غضب عارمة ناجمة عن الخيبة والعجز الإنساني، فعندما جوبهت رسائله المحمومة الشغوفة بالتجاهل أو الصمت من قِبل المرأة التي لم تستجب لإغواء القصيدة، ارتد الكاتب إلى الذات الجريحة، واستدعى الهجوم الدفاعي التطهيري ليصب لعناته اللغوية على ذلك الجسد الممتنع، ويمثل هذا الصنيع تفريغاً للشحنة المقموعة وتحويلاً للاعتداء الواقعي إلى انتقام رمزي عبر “لعنة الكتابة”.
ويقدم الناقد الدكتور سرمد فوزي التايه شهادة وقراءة نقدية حميمة وعميقة تنبع من معايشته الصدوقة للكاتب فراس حج محمد منذ مقاعد الدراسة الجامعية في تسعينيات القرن الماضي، ويبدأ التايه بملاحظة أن هذا الكتاب تجريد كامل للذات دون مواربة؛ إذ أقدم الكاتب على تعرية نفسه وسوءاته الوجدانية بكل جرأة أمام القارئ والوسط الثقافي.
ويرصد التايه التذبذب الحادة في لغة حج محمد؛ فهو ينتقل بين أوج التسامي الروحي والغزل الشفيف المستمد من روح التصوف ونضارة الطبيعة، وبين التعبير الفاحش والمجون العاري الصريح ومضاجعة الكلمات.
ويُبرز التايه تناوُل الكاتب لموضوعات الديون، والهموم الشخصية، وتجربة التعليم والتربية، وتعرية أرباب الثقافة والمؤسسة الرسمية، والموقف من الأحزاب والسياسة، وتأمل الموت والعلل، كما يستعرض شهادات وردود أفعال عشرات الأدباء والقراء الذين دُوِّنت تعليقاتهم في الجزء الأخير من الكتاب.
وفي القراءة الثانية الموسومة “الخطوط الشائكة بين الأيروسية والدينية”، يغوص الدكتور سرمد التايه في الإشكالية الفكرية والأخلاقية الأكثر تعقيداً في كتاب “الثرثرات المحببة”، وهي التنازع الشديد والخطوط الشائكة بين الأيروسية الصريحة والنزعة الدينية العميقة لدى فراس حج محمد، ويحلل التايه المفارقة الصارخة: كيف يمكن لكاتب واحد أن يمزج بين صور المضاجعة الفاحشة، والنشوة الحسية المكشوفة، والرغبة في افتراس الأجساد، وبين الاقتباسات القرآنية المباشرة، والاستعانة بالحديث النبوي، والابتهال والتضرع لله في ساعات المرض والعجز؟
ويرصد التايه تجليات هذه الشبكة الفكرية من خلال:
التناص القرآني المتردد: يستحضر حج محمد الآيات القرآنية في سياقاته العاطفية والأيروسية، من قبيل “إنك لن تستطيع معي صبرا”، و”سبحان الذي أسرى”، و”إن أرضي واسعة”، و”وكان أمره قدراً”، و”فأصابه إعصار فيه نار فاحترقت”.
طقوس الطهارة والصلاة الإبداعية: يصف الكاتب دخوله في طقس كالمقامات الروحية قبل صياغة رسائله، حيث يمزج بين رائحة العطر ومجامعة الحبيبة وبين قراءة القرآن الكريم أو التضرع بالدعاء لتطهير النفس.
الجذور التاريخية في الأدب الإسلامي: يُرجع التايه هذا المزيج إلى الخلفية الفكرية الأولى لحج محمد، حيث كان عضواً فاعلاً في حزب التحرير (الإسلامي).
الموقف من الموت والعلة: يظهر البعد الديني جلياً عندما يتعرض الكاتب لنزلات المرض الشديدة؛ إذ يتجرد من كل مجون ليتضرع خاشعاً إلى الله، معبراً عن خوفه الإنساني من الانقطاع عن العبادة والرجاء، ومتقبلاً حتمية الموت والعودة إلى التراب بوصفه المصير المكتوب.
أما الباب الثاني من الكتاب فهو خاص بالتغطية الصحفية ورؤية الخوارزميات الرقمية، حيث يمتد الكتاب النقدي ليوثق صدى كتاب “الثرثرات المحببة” في الصحافة العربية والتطبيقات التكنولوجية المعاصرة.
يتضمن الكتاب التقرير الصحفي الصادر من القاهرة بقلم الكاتب فتحي محمود، تحت عنوان “150 ثرثرة محببة.. إصدار جديد في أدب الرسائل”، ويسلط التقرير الضوء على القيمة التاريخية لأدب الرسائل في التراث العربي والمعاصر (مستحضراً رسائل محمود درويش وسميح القاسم، ومي زيادة، وجبران خليل جبران)، ومعتبراً أن كتاب فراس حج محمد يمثل ملاذاً عاطفياً آمناً وتنفساً خيالياً في عصر ضجيج التكنولوجيا الافتراضية.
ويشمل هذا الباب كذلك تحليل الخوارزميات للرسائل بوصفها استراتيجية واعية لكسر “ديكتاتورية الرؤية الواحدة الموجهة”، ويتبين من خلال هذه القراءة الآلية الخوارزمية أن الرسائل لدى فراس حج محمد تحول الثرثرة من فعل يومي عابر إلى أداة حفر في طبقات النفس البشرية، حيث تغدو اللغة جهازاً عضوياً حياً يتنفس، ويعرق، وينزف، ويحقق التطهير النفسي (Catharsis) للقارئ والكاتب على حد سواء.
ويتفرد كتاب الإضافات المسهبة” بضم قسم خاص ومستقل تحت عنوان “رسائل لم تسقط سهواً”، وهي مجموعة رسائل استُبعدت من الطبعة الأولى للثرثرات، وكانت قد نُشرت سابقاً ضمن كتاب “مساحة شخصية – من يوميات الحرب على فلسطين” (2023)، وتأتي هذه الرسائل لتعمق الفهم الثقافي والسياسي والوجداني لمشروع فراس حج محمد.
افتتحت هذه المجموعة برسالة “لماذا أكتب لك عن الجزائر؟”، يوجه الكاتب رسالة مطولة إلى إحدى صديقاته، يتناول فيها إشكاليات الهوية والثقافة في الجزائر الشقيقة، فيتوقف عند:
سؤال اللغة والهوية: يحلل الكاتب التمازج المعقد بين الهوية العربية والأمازيغية والفرنسية في الجزائر، معبراً عن تفهمه للمشهد الثقافي الفرنكوفوني الذي أفرز كُتّاباً كباراً قاوموا المحتل باللغة الفرنسية نفسها.
الذاكرة التاريخية النضالية: يستحضر الكاتب رمزية مليون ونصف المليون شهيد، والارتباط الوجداني الخالد بين الشعبين الفلسطيني والجزائري.
الذكريات الشخصية والمسيرة الأدبية: يستعيد الكاتب بداياته ونشره في الصحف الجزائرية المختلفة (“الجزائر الجديدة”، “صوت الأسرى”، “الجديد اليومي”، “الشعب”، “السلام”)، وذكرياته مع الكاتبة الجزائرية ليلى رابح التي كتبت عنه قصة بعنوان “الشاعر والتابع والماجن” نشرتها في مجموعتها القصصية.
وثمة رسائل أخرى يتناول فيها الكاتب معركة “سيف القدس” والبعد الوطني، وتُعد هذه المجموعة من أشد الرسائل تأثيراً، حيث كُتِبت تحت لعلعة الرصاص وضربات الصواريخ خلال التصعيد العسكري والعدوان على غزة والقدس والداخل الفلسطيني في أيار 2012:
رسالة “العيد في فلسطين غير.. غير” (3 أيار 2021): يصف الكاتب طعم العيد الممزوج بالدم والصمود في القدس، وحي الشيخ جراح، وغزة، والداخل المحتل عام 1948، ويؤكد أن فرحة العيد في فلسطين تكمن في صور ابتسامات الشهداء والأسرى والمرابطين الذين يواجهون آلة البطش بوجوه ضاحكة مستبشرة، ويتضمن الكتاب ردوداً من المراسلات لاثنتين من الكاتبات وهما: (ر. غ) و (إ. س).
رسالة “إنه نهار مختلف” (2 أيار 2021 – يوم إعلان وقف إطلاق النار): يعبر الكاتب عن نشوة الانتصار الشعبي، مؤكداً أن الحرب أعادت اللحمة الوطنية الشاملة للشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، ويتناول الكاتب بأسلوب نقدي لاذع القنوات الإعلامية والمثقفين التابعين لسلطة الاستبداد العربي والفلسطيني.
فلسفة “البيت” والمأوى: يغوص الكاتب في تحليل معنى “البيت” الذي يهدمه الاحتلال في غزة، موضحاً أن البيت يتعدى كونه جدراناً أو عقاراً مادياً، إذ يمثل المأوى النفسي، والسكينة، ومخزن الذكريات والهوية الشاملة للذات، ويقارن بين دفء البيت الفلسطيني حتى وإن تحول إلى ركام، وبين غرف الفنادق العابرة الباردة التي لا تمنح الإنسان أي انتماء روحاني.
رسالة “بالأغاني والهاشتاج نحاربهم أيضاً” (26 أيار 2021): يتناول المقاومة الثقافية والإلكترونية، مستنكراً تدمير الاحتلال لمكتبة “سمير منصور” الشهيرة في غزة، وما رافق ذلك من حظر للمحتوى الفلسطيني على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ويؤكد أن الشعوب تستعيد عافيتها الإبداعية عبر الأغنيات الوطنية والتضامن بشتى أشكاله، ولو كان رقمياً.
رسالة “خيبات المتوقعة وغير المتوقعة” (5 حزيران 2021): يكتب الكاتب في ذكرى نكسة حزيران 1967، مستحضراً معاناة الحواجز العسكرية، ونبأ محاولة انتحار الشاعر تميم البرغوثي، ويستعيد الكاتب بداياته الشابة مع “رابطة أدباء بيت المقدس” وصحيفة “الرسالة”، معبراً عن خيبة أمله الشديدة في الوسط الثقافي والاتحادات الأدبية القائمة على النفعية والشللية والعفن الثقافي.
رسالة “يا ليتك كنت معنا” (6 حزيران 2021): يستعيد الكاتب أمتع لحظات القراءة الشعرية، حيث قرأ قصائده لغزة، مبيناً كيف يمنح الشعر صاحبه طاقة تحررية ونشوة تتسامى على الجراح.
يدعو هذا الكتاب “الإضافات المسهبة في الثرثرات المحببة – قراءات في الرسائل” الصادر عن دار “ناشرون فلسطينيون” الباحثين والنقاد لإعادة قراءة النص الأدبي بعيداً عن المسبقات الأخلاقية أو النمطية السائدة، ويؤكد أن الأدب والفن سجل نقدي ونفسي يوثّق لمرحلة مفصلية من تاريخ الأدب الفلسطيني المعاصر، ولقد نجحت الدار، من خلال جمع هذه المادة النقدية الغزيرة وتحريرها وإعادة تقديمها، في وضع القارئ والباحث أمام مرآة تحليلية شاملة تتجاوز القراءة الانطباعية السطحية إلى الغوص في أعمق التناقضات البنيوية، والنفسية، والجمالية التي اكتنفت تجربة الكاتب فراس حج محمد في كتابته لهذا النوع من الأدب، وتبيّن أن الرسائل ليست ثرثرات مرسلة من الغاية والهدف والمخزون الثقافي الهائل، بل تمور فيها الحياة بكل تنوعاتها الشخصية والاجتماعية، دينيا وثقافيا كذلك.