
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: كيف تنتهي الحرب في غزة فحسب، ولا من يسيطر على القطاع بعد الحرب، وإنما أصبح السؤال الأعمق: ماذا يُراد أن يكون شكل فلسطين السياسية بعد الحرب؟
هذا السؤال يكتسب خطورته من التطورات المتسارعة حول غزة، ومن الطريقة التي يجري بها التعامل مع حماس وإسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير، ومن التوازي اللافت بين ما يجري في غزة وما يتسارع في الضفة الغربية.
في 16 أغسطس، التقى المبعوث الأميركي جاريد كوشنر قيادة حماس في مصر لبحث تنفيذ خطة الرئيس دونالد ترامب لغزة، ثم التقى في اليوم التالي بنيامين نتنياهو في القدس. ولم تُفضِ الجولة إلى اختراق حاسم، إذ بقي الخلاف الأساسي حول ترتيب نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي؛ فواشنطن تدفع نحو تنفيذ الخطة، بينما يصر نتنياهو على عدم الانسحاب قبل نزع السلاح بالكامل.
لكن أهمية هذه الاتصالات لا تكمن فقط في تفاصيل التفاوض، بل في الهندسة السياسية التي يجري إعدادها لغزة.
فخطة ترامب تقوم على وقف الحرب، ونزع سلاح حماس والفصائل المسلحة، وإقامة إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وإدخال قوة استقرار دولية، وإعادة إعمار القطاع، مع انتقال تدريجي إلى ترتيبات جديدة للحكم والأمن. وقد أعلن ترامب في يوليو التوصل إلى اتفاق حول نزع سلاح حماس، لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن التنفيذ لا يزال متعثرًا.
وهنا ينبغي التوقف.
هل نحن أمام طريق يقود إلى إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، أم أمام إعادة تنظيم غزة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن المشروع الوطني الفلسطيني؟
هذه ليست مسألة شكلية.
فإذا أُنشئت في غزة إدارة مدنية جديدة، بإشراف دولي وإقليمي، بينما بقيت السلطة الوطنية ومنظمة التحرير خارج مركز القرار السياسي، فقد تنشأ معادلة جديدة: غزة تُدار دوليًا وإقليميًا، والضفة تُدار تحت سلطة فلسطينية محدودة، بينما تبقى السيادة الفعلية والقرار الاستراتيجي خارج الإطار الفلسطيني.
وهذا هو مكمن الخطر.
فالقضية الفلسطينية ليست قضية إدارة غزة، ولا قضية إعادة إعمارها، ولا قضية نزع سلاح فصيل فلسطيني فحسب؛ إنها قضية شعب وأرض وحق في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
ومن هنا يصبح التعامل الأميركي المباشر مع حماس، رغم أنه مفهوم في سياق البحث عن إنهاء الحرب، ذا دلالة سياسية. فهو يؤكد أن واشنطن مستعدة للتفاوض مع القوة التي تملك تأثيرًا فعليًا في غزة عندما تقتضي مصالح الخطة ذلك، في الوقت الذي لم تُحسم فيه بصورة واضحة مكانة منظمة التحرير والسلطة الوطنية في البنية السياسية التي ستنتجها المرحلة الجديدة.
وهنا لا بد من التمييز.
ليس هناك ما يثبت أن حماس ونتنياهو متفقان أو يعملان بتنسيق مباشر لشطب الكيانية الفلسطينية. بل هما في صراع دموي وسياسي عميق. لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها؛ أحيانًا تتقاطع نتائج سياسات متناقضة في الاتجاه نفسه.
وهذا هو جوهر المسألة.
حماس، بحكم سيطرتها الطويلة على غزة ورفضها التخلي بسهولة عن دورها السياسي، أصبحت أحد عناصر الانقسام الفلسطيني. وفي المقابل، فإن استمرار حكومة نتنياهو في رفض قيام دولة فلسطينية، ودعمها المتواصل لتوسيع الاستيطان وترسيخ السيطرة الإسرائيلية في الضفة، يدفع في الاتجاه ذاته: إبقاء الجغرافيا والسياسة الفلسطينية مجزأة، ومنع نشوء مركز وطني فلسطيني موحد.
وقد اتخذ مسار الضفة في الأشهر الأخيرة أبعادًا أكثر خطورة؛ إذ تتسارع إجراءات إسرائيلية تعزز السيطرة الإدارية والأمنية على الأرض، وتصف تحليلات دولية هذا المسار بأنه يقود إلى ضم فعلي ويقوض بصورة متزايدة إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وهنا يلتقي المساران: في غزة فصلٌ سياسي وإداري محتمل، وفي الضفة تثبيتٌ متدرج للسيطرة والضم.
وبينهما يظل المشروع الوطني الفلسطيني مهددًا بالتفكك.
إن إعادة هندسة دور حماس لا ينبغي أن تعني استبدال سيطرتها العسكرية بدور سياسي محلي منفصل عن النظام الوطني الفلسطيني. كما أن نزع سلاحها، إذا تم، لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لنزع السياسة عن الفلسطينيين أو تحويل غزة إلى منطقة إدارة دولية دائمة.
المطلوب هو العكس تمامًا: أن يكون إنهاء الحرب مدخلًا إلى توحيد غزة والضفة تحت إطار سياسي فلسطيني واحد، وإعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة الشراكة الوطنية، وإعادة توحيد مؤسسات السلطة، وإجراء انتخابات فلسطينية، وربط إعادة الإعمار بمسار واضح لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة.
فالفلسطينيون لا يحتاجون إلى إدارة جديدة للانقسام، بل إلى إنهائه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تختلف حماس ونتنياهو جذريًا في الأهداف والدوافع والوسائل، لكن استمرار الانقسام والفصل بين غزة والضفة يمكن أن يخدم، موضوعيًا، هدفًا واحدًا: إبقاء الدولة الفلسطينية مؤجلة، والكيانية الفلسطينية منقوصة، والطريق مفتوحًا أمام إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية على حساب فلسطين.
ولهذا فإن المعركة المقبلة ليست فقط على من يحكم غزة.
إنها معركة على من يحدد شكل فلسطين بعد الحرب.
هل تكون غزة جزءًا من دولة فلسطينية موحدة، أم كيانًا إداريًا منفصلًا؟
هل تكون الضفة قاعدة للدولة الفلسطينية، أم مساحة تتآكل تدريجيًا بالاستيطان والضم؟
هل تكون منظمة التحرير المرجعية الوطنية الجامعة، أم يجري تجاوزها لصالح ترتيبات وظيفية وإقليمية؟
وهل تكون إعادة الإعمار جسرًا إلى الدولة، أم بديلًا مؤقتًا أو دائمًا عنها؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغل الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي.
فإذا جرى إنهاء الحرب من دون إنهاء الانقسام، وإعادة إعمار غزة من دون ربطها بالضفة، وترتيب أمن القطاع من دون أفق سياسي، واستمرار الضم في الضفة، فإن الخطر لا يكمن فقط في بقاء الاحتلال؛ بل في إعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها من قضية تحرر وطني وإقامة دولة إلى قضية إدارة سكان ومناطق منفصلة.
وهنا تحديدًا يجب أن تتقدم المسؤولية الوطنية الفلسطينية على صراع الفصائل.
فلا يجوز أن تكون حماس بوابة لفصل غزة عن فلسطين، ولا يجوز أن تكون السلطة الفلسطينية ذريعة لإقصاء حماس، ولا يجوز أن تتحول الخلافات الداخلية إلى مدخل لإقصاء منظمة التحرير.
المطلوب ليس انتصار فصيل على فصيل، وإنما انتصار فلسطين على الانقسام، وانتصار المشروع الوطني على مشاريع التفكيك.
فالمسألة في جوهرها ليست: من يحكم غزة؟
بل:
هل تبقى فلسطين شعبًا واحدًا، وأرضًا واحدة، وقضية واحدة، ومشروع دولة واحدة؟
إنها المعركة التي ستحدد ما إذا كانت الحرب قد انتهت فعلًا، أم أنها ستتحول إلى بداية مرحلة جديدة من إعادة هندسة فلسطين، بحيث يصبح الاحتلال أقل ظهورًا، والانقسام أكثر مؤسسية، والدولة الفلسطينية أبعد من أي وقت مضى.