رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :المخاوف الاسرائيلية المستقبلية

في مجتمع مثل المجتمع الاسرائيلي ، تشكل النخبة بأشكالها المختلفة قرون الاستشعار للبيئة المستقبلية، فهي تؤثر في توجهات المجتمع ،وتساهم في تشكيل فضاء القرار الاستراتيجي للدولة في ذهن صانع القرار، وتتركز هذه النخب في اوصال المجتمع كله، مما يجعلها على تماس بتفاصيل الظاهر والباطن وبالروح العامة للمجتمع ، فهي مبثوثة في القيادات الحزبية ومراكز الدراسات والجامعات والنقابات والمختبرات العلمية بل وبين الفنانين والادباء…الخ.
وبمتابعة ادبيات هذه النخب يمكن تحديد المخاوف المستقبلية على اسرائيل والتي هي المخاوف الاكثر اتفاقا عليها بين افراد النخبة على النحو التالي:
1- يبدو ان الخطر العسكري التقليدي المباشر لم يعد يتصدر هذه المخاوف بعد خروج مصر من الصراع تماما، وبعد تخلي الجبهة الشرقية العربية عن فكرة تحرير فلسطين بل وعن ما هو اقل من ذلك بكثير، واتساع قاعدة التطبيع ، والتمزق الداخلي في هذه الجبهات ، لكن يبقى هاجس يُطل بين الحين والآخر في ادبيات النخبة وهو “التطور التكنولوجي العسكري لدى التنظيمات المسلحة في المنطقة والذي قد يصل الى مرحلة اسلحة الدمار الشامل(الكيماوي والجرثومي بل والنووي) وما قد يتفتق عنه العقل البشري من تطورات تكنولوجية ،وبخاصة ان التطور التكنولوجي يتسارع بشكل مضطرد، وبتكاليف اقل وبيسر في عبور المعلومات والخبرات للحدود المادية والافتراضية.
2- القلق من تعدد الهويات الفرعية في المجتمع الاسرائيلي ،مع انتقال هذه التنوعات لدرجات من الولاء الآلي(بتعبير دوركهايم) على حساب الولاء العضوي ، فالمجتمع الاسرائيلي متنوع بين علمانيين ودينيين، ويهود وعرب،ومسلم ومسيحي ويهودي،وبين انتماءات قومية لما قبل الهجرة(اشكنازي وسفارديمي وصابرا)..الخ، وشهدت الفترات الاخيرة احتقانات مجتمعية تقف وراءها مثل هذه التنوعات، واتضحت معالمها في المجتمع والمؤسسة العسكرية والاحزاب ..
وتتضح مؤشرات هذا الجانب في ادبيات معهد الامن القومي الاسرائيلي الذي يضع في حسابه مخاطر عسكرية مستقبلية مثل :تحالف اقليمي عسكري جديد في المنطقة ضد اسرائيل، التعدد في القوى النووية في الشرق الاوسط ، انهيار النظام الدفاعي الاسرائيلي امام احتمال وقوع موجات من الهجمات الصاروخية واسعة النطاق ودقيقة التوجيه. لكنه يضع هذه المخاوف في بنية المجتمع في آخر قائمة المخاطر، ويربطها بعامل مساعد وهو فقدان “الطابع الديمقراطي” للنظام السياسي في اسرائيل مما يعزز التفكك الاجتماعي.
3- القلق من المتغير الديموغرافي: فإذا كان عدد الفلسطينيين حاليا في فلسطين التاريخية ما زال اعلى من عدد اليهود، فكيف ستكون دولة يهودية “في دولة اغلب سكانها ليسوا يهودا”؟ وفي دراسة ل “Charles D.Freilich عن المخاطر غير العسكرية يطرح في احدها موضوع الفلسطينيين في الجسد الاجتماعي الاسرائيلي، ويبدو ان الفارق بين عدد اليهود والفلسطينيين سيتواصل لصالح الفلسطينيين،ما لم يتم التهجير او الانفصال عن المناطق المحتلة عام 1967، وهو ما سيغرق اسرائيل في مشاكل جديدة او متجددة.
وقد تتفاقم المشكلة من خلال الاستيطان، فزيادته تعزز احتمال تجدد الانتفاضة، والتخلي عن الاستيطان قد يفجر حربا أهلية بين اليهود.
4- البرنامج النووي الايراني: تكاد ان تكون هذه النقطة هي الاكثر إجماعا وتوافقا عليها لدى النخبة الاسرائيلية، فهي تحتل المرتبة الاولى في تصنيف وترتيب المخاطر، وتزداد خطورة ايران من خلال ربط تطورها العسكري بحلفائها “من التنظيمات المسلحة” التي يمكن ان يتم تسليحها “بغير التقليدي من السلاح” وتتوارى خلفه ايران.
5- العزلة الدولية: اشرنا في دراسات سابقة وبشكل تفصيلي الى تراجع مكانة اسرائيل بعد طوفان الاقصى الى اكثر من 44 منزلة ، وزاد معدل التصويت ضدها في الامم المتحدة بحوالي 35 دولة، وفي مثل هذه البيئة الدولية تستشعر اسرائيل مخاطرها ولو في المدى الزمني المتوسط والبعيد ،وتتعزز هذه العزلة في حالة تزايد الفجوة مع الولايات المتحدة، وتزايد نفور المجتمع اليهودي العالمي من السياسات الاسرائيلية، وكلاهما تطوران تشير لهما بعض الملامح .
6- تتعزز المخاطر السابقة بمؤشرات مساعدة لا يجوز استبعادها مثل:
أ‌- التغير في بعض النظم السياسية العربية واستبدالها بنظم معادية لاسرائيل.
ب‌- وقوع تطورات تقنية او ازمات اقتصادية تغير من الوزن النوعي لبعض الدول بخاصة الخليجية.
ت‌- تنامي التخلي الامريكي عن رعاية اسرائيل لاسباب داخلية امريكية، او لتغير المكانة الامريكية في القطبية الدولية، او لزيادة الانفضاض الشعبي الامريكي عن تاييد اسرائل.
اخيرا، لا بد من طرح تساؤلات على النخبة الاسرائيلية والنخب العربية على النحو التالي:
1- للنخبة الاسرائيلية نقول :هل السياسات الاسرائيلية الحالية تعزز او تضعف المخاطر سالفة الذكر؟ فان كانت تعززها ،فلماذا تواصل اسرائيل هذا النهج؟ وان كانت تضعفها فكيف نفسر ان اغلبها تعاظم منذ وصول الليكود لكرسي السلطة؟
2- للنخبة العربية نسال : كيف يمكن تعميق احتمالات هذه المخاطر ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى