رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :الجزيرة والحرب الأمريكية / الإيرانية: حين لا تكفي كثرة الأصوات

أنا لست من هواة المشاهدة التلفزيونية أصلًا. أفضّل القراءة، لأنها تمنحني وقتًا مع الفكرة.. أتوقف، أعود، أقارن، وأبحث.
لكن الحرب الأمريكية ، الإيرانية جعلتني أعود إلى شاشة الجزيرة من وقت لآخر، غالبًا في المساء، وأنا أقلّب بين القنوات بحثًا عن شيء يستحق أن أبقى أمامه.
ولأنني مشاهد متقطع، لا أريد أن أحوّل ما رأيته إلى دراسة لتغطية الجزيرة، ولا إلى حكم شامل عليها. لكنه انطباع تكرر بما يكفي لكي أسأل نفسي،ما الذي أبحث عنه فعلًا حين أشاهد هذه النقاشات؟
ل الأمانة لا أستطيع القول إن المشكلة هي غياب التنوع. بالعكس. أجد لقاء مكي، وإلى جواره صوتًا إيرانيًا، وآخر أمريكيًا، وباحثًا عربيًا وآخر عسكريًا .
الخلاف بينهم قد يكون حقيقيًا وحادا إذن ليست المشكلة أن الجميع يقول الشيء نفسه. المشكلة عندي أنني أحيانًا أشاهد اختلافًا كبيرًا، ثم لا أشعر أنني خرجت منه بمعرفة توازي حجم الاختلاف. وهذا فرق مهم، وربما يستحق أن نعطيه اسمًا بدل أن يبقى انطباعًا عابرًا.

معيار بوبر..ما الذي يمكن أن يثبت خطأك؟
الفيلسوف كارل بوبر وضع في القرن الماضي معيارا بسيطا للتمييز بين الادعاء العلمي والادعاء الأيديولوجي.. ليس السؤال هو “هل يمكن أن تُثبت هذه الفكرة؟”، بل “هل يمكن أن تُدحض؟”.
أي نظرية لا تقبل أن تُختبر بواقعة قد تكذبها، ليست نظرية بالمعنى الدقيق، ،بل عقيدة تُعاد صياغتها كي تستوعب أي حدث جديد وتبقى صحيحة على الدوام.
وحين أطبق هذا المعيار على ما أشاهده، تتضح لي المشكلة أكثر. حين يقول الإيراني إن إيران صمدت، ويقول الأمريكي إن واشنطن حققت أهدافها، لا يكفيني أن أعرف النتيجتين. أريد أن أعرف. ما معنى الانتصار عند كل منهما؟ وما المؤشرات التي بنى عليها حكمه؟ والأهم..ما الحدث الذي لو وقع غدًا، لاضطر معه أن يقول “كنت مخطئًا”؟

هنا يبدأ التحليل , أما أن يتواجه موقفان مكتملان، كل منهما يعلن نتيجته ويعود إلى الرواية التي جاء بها بلا أن يحدد ما قد يكذّبها، فقد أكون شاهدت مناظرة جيدة، لكنني لم أنتج بالضرورة معرفة جديدة. الفارق ليس في الحدة، بل في القابلية للاختبار.
قنافذ تتحدث بثقة، وثعالب نادرا ما تظهر على الشاشة
وهذا بالضبط ما جعلني أتوقف عند بعض المداخلات المتكررة، ومنها لقاء مكي. لا أتحدث عن الرجل كشخص، ولا عن مجمل إنتاجه، وإنما عن الأثر المعرفي الذي تتركه مداخلته فيّ كمشاهد. أحيانًا أستمع إلى تحليل ، وأجد نفسي بعد دقائق أسأل.. ما الفكرة التي سأحملها معي، قد أكون اقتنعت أو لم أقتنع، لكنني أبحث عن شيء آخر فرضية، مفهوم، علاقة بين الأحداث، معيار يمكنني أن أختبر به التطور المقبل.
،،
الباحث فيليب تتلوك أمضى عقودًا في دراسة أداء المحللين السياسيين، ووجد نمطًا يستحق التوقف عنده.. قسم المحللين إلى “قنافذ” تملك فكرة كبرى واحدة تفسر بها كل حدث بثقة عالية، و”ثعالب” تجمع معلومات متعددة، وتتحفظ في أحكامها، وتراجع نفسها كلما تغيرت المعطيات.
والمفارقة التي رصدها تتلوك بالأرقام لا بالانطباع.. القنافذ أكثر حضورًا على الشاشة لأن ثقتها تصنع خطابا حاسما وجذابًا، لكن تنبؤاتها، إحصائيا، أقل دقة من تنبؤات الثعالب. الشاشة تكافئ الحسم، لا الدقة.
،،
وهذا يعيد صياغة ملاحظتي بشكل أدق لست أبحث عن ضيف “أفضل” من غيره، بل أسأل أي النمطين أشاهد. هل هذا ضيف يحمل فرضية يمكن أن تنكسر أمام حدث جديد، أم يحمل موقفًا يعاد تدويره ليستوعب كل حدث ويبقى صحيحا دائمًا؟
ليست مشكلة شخص، بل مشكلة نمط
لكنني لا أضع مكي وحده في هذه المسألة. قد يحدث الأمر نفسه مع الأمريكي، والإيراني، والعربي، حتى لو كانوا مختلفين تماما.
،،
بل ربما تكون المفارقة هنا أكبر.. كلما زاد اختلافهم، توقعت أن أنتج منه فهما أكبر. وأحيانًا لا يحدث ذلك. أخرج وأنا أعرف أكثر ماذا يعتقد كل واحد منهم، لا بالضرورة لماذا حدث ما حدث. وهذا هو الفرق الذي يهمني بين تعدد الآراء وتراكم المعرفة.. يمكن أن تتضاعف “القنافذ” على الطاولة نفسها، وتظل خارطة الفهم كما هي.
،،
والأمر نفسه أراه، بصورة أسرع، على منصات التواصل. مؤثر يحسم الحرب في ثلاثين ثانية، وضيف يحسمها في عشرين دقيقة.
تختلف المساحة، لكن النتيجة قد تتشابه…أحكام كثيرة، وثقة عالية، بينما تظل الأدوات التي تساعدني على فهم الحدث التالي قليلة. الوسيط، سواء كان شاشة أو تطبيقًا، يكافئ الصوت الحاسم لا الفرضية القابلة للمراجعة.
ربما لهذا أفضّل القراءة. الكاتب يستطيع أن يتوقف ويقول..لا أعرف. يستطيع أن يراجع نفسه. يستطيع أن يعود إلى المصدر. أما التلفزيون فعليه أن يملأ الساعة، والمنصة عليها أن تملأ الثواني، ولا شيء في هذا الإيقاع يشجّع على الاعتراف بالخطأ.
ما الذي أطلبه فعلا من #الجزيرة
ولذلك لا أريد من الجزيرة مزيدًا من الضيوف لمجرد زيادة التنوع. أريد أن يصبح اختلافهم منتجا. أن يُسأل الإيراني..ما الذي لو حدث سيغي ر تقديرك؟ وأن يُسأل الأمريكي: أين يمكن أن تكون فرضيتك خاطئة؟ وأن يُسأل المحلل العربي: ماذا أضافت هذه المواجهة إلى تفسيرك السابق؟ وأن يعود الجميع إلى توقعاتهم السابقة: ماذا أصابوا فيه؟ وماذا أخطأوا؟
عندها يصبح الحوار أكثر من مواجهة بين روايات. يصبح اختبارًا للفرضيات بمعنى بوبر، وفرصة لمعرفة من هو “ثعلب” فعلًا خلف لغة “القنفذ” الواثقة التي يفرضها إيقاع الشاشة. وهذا، في رأيي، هو الاختبار الحقيقي لأي محلل.. ليس أن يكون دائمًا على حق، وإنما أن تكون لديه القدرة على مراجعة نفسه عندما يثبت الواقع أنه أخطأ.
،،
ليست مشكلة انحياز، بل مشكلة بنية..
لذلك لا أرى المشكلة في الجزيرة ببساطة باعتبارها مشكلة انحياز، ولا مشكلة تنوع. التنوع موجود، والخلاف موجود. ما أسأل عنه هو ما يحدث بعد الخلاف. هل خرجت منه بفكرة لم تكن لدي؟ بسؤال جديد؟ بعلاقة جديدة بين الأحداث؟ أم خرجت فقط وأنا أعرف أن هذا مع إيران، وهذا مع أمريكا، وهذا يرى أن الاثنين مخطئان؟
،
بالنسبة لي، هذه هي المسافة بين الإعلام الذي يعرض الاختلاف والإعلام الذي يحوّل الاختلاف إلى معرفة.
وربما لهذا، كمشاهد متقطع، لم يعد سؤالي في نهاية الحلقة من كان أكثر إقناعًا؟ بل سؤال أبسط.. ماذا عرفت بعد أن سكت الجميع، ولم أكن أعرفه قبل أن يبدأوا الكلام؟ وهل قدّم لي أحدهم فرضية تنكسر أمام حدث معين، أم موقفًا مصممًا سلفًا كي لا ينكسر أبدًا؟
هذا هو الاختبار الذي أبحث عنه. وليس فقط في الجزيرة، وإنما في كل شاشة وكل منصة وكل شخص يتحدث بثقة عن حرب لا تزال وقائعها نفسها تتغير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى