“رماد الحقيقة” بين الاحتراق والولادة.. قراءة تفكيكية في أقصوصة الكاتبة: نجاح الدروبي.. بقلم الأديب والناقد التونسي الكبير: عمّار بلخضرة

أقصوصة: رماد الحقيقة
بقلم: نجاح الدروبي
أشهرَتْ حبرَ قلمِهَا ضدَّ فرعون فَلَغَّمَ خطواتِهَا، وأرسلَ أعوانَه ليراقبوها عن بُعد، ويقوموا بوضعِ فِخَاخ تُعيقُ طريقَهَا، ما جعلَ نبضاتِ قلبها تتسارعُ بين الخوف والأمل، لا سيَّما عندما عادَتْ إلى المنزل واصطدمَتْ بالباب مفتوحاً على مصراعيه وآثار اقتحام واضحة؛ فيما استحالَتِ الغُرَفُ إلى كتلةٍ من الرماد الأسود تعبثُ بها رياحٌ خريفيَّة قويَّة تعوي في الداخل.
كانت أوراقُهَا تتطايرُ في الفضاء كأسرار محترقة، وبقايا أدلَّتها تتوارى تدريجياً بين أكوام الجمر.
وقتها نظر “فرعونُ” إلى الرماد وكأنَّه أطفأ آخر شعلةٍ من الحقيقة وأذابها في العدم بقوَّة نفوذه، بينما ارتسمَتْ على وجهه ضحكةٌ خافتةٌ تعكسُ غرورَهُ وثقتَه المطلقة؛ ما لبثَتْ أن تلاشَتْ مع إشراقة شمس الصباح عندما كان جالساً في مكتبه يقرأ الجريدة وإذ بملامح وجهه تتغيَّر من الغرور إلى الصدمة والذهول، وتتَّسع حدقتا عينيه وهو ينظر إلى صفحات الجريدة وعليها صورته منشورة بوضوح بين سالبي حقوق المظلومين، مُرفقةً بأدلَّة ساطعة وبتفاصيل دقيقة ملتقطة بكاميرا صحفيَّة بارعة كُتبت تحتها: مطلوب للعدالة بقضايا اختلاس وفساد.
٢٠٢٦/٧/١٥
القراءة التفكيكية في الأقصوصة بقلم الأديب والناقد التونسي الكبير: عمّار بلخضرة
لا يخلو عنوان “رماد الحقيقة” من سخرية بليغة تضع القارئ أمام تناقض أولي يصلح لأن يكون مدخلاً تفكيكياً خصباً، ذلك أن الرماد في العرف الاستعاري يحيل إلى النهاية والموت والاندثار، بينما الحقيقة في التصور المثالي كينونة نورانية لا تقبل الاحتراق، فكيف إذاً تجتمعان في عبارة واحدة؟ وهنا يكمن فخ النص وسحره معاً، لأنه يعدنا بمأساة إحراق الحقيقة، لكنه في أثناء سرده يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، فما نقرؤه ليس مشهداً لإجهاض الحقيقة، بل عرضاً مسرحياً لتحوّلها من حالة الجمود الورقي إلى حالة الانتشار الرمادي الذي لا يمكن حصره، فالرماد الذي تخلّفه أوراق الكاتبة المحترقة لم يمت، بل تطاير في الفضاء كأسرار محترقة، وكأن الاحتراق هنا لم يكن إعداماً، بل إذابةً للشكل الصلب للحقيقة لتتحرر من قبضة المكان والزمان، وهذا هو أول خيوط التفكيك التي يكشفها النص بوعي أو بدونه، ذلك أن الثنائية التقليدية التي تضع الرماد في مواجهة الحقيقة تنهار تحت وطأة الصور البلاغية، إذ يصبح الرماد شرطاً لولادة جديدة، لا سيما حين نقرأ النهاية التي تعيد الحقيقة إلى الواجهة بصورة أكثر إشراقاً ووضوحاً مما كانت عليه حين كانت حبراً على ورق في منزل كاتبة مهددة.
وإذا انتقلنا إلى شخصية “فرعون” التي تحمل دلالة تاريخية وسياسية ثقيلة، نجد أن النص يبنيها في الظاهر على أنها سلطة مطلقة لا تُقهر، تملك أعواناً وعيوناً وفخاخاً، وتضحك ضحكة الختام وهي تنظر إلى الرماد وكأنها أطفأت آخر جمرة من التمرد، غير أن هذه القوة الجبارة سرعان ما تتفتت في المشهد الأخير عندما نجلس معها في مكتبها الخاص ونراها تقرأ الجريد، وهنا يتحقق الانقلاب التفكيكي الأكثر عمقاً، فالسلطة التي كانت تراقب وترصد وتضع الفخاخ، تفاجأ بأنها هي المقروءة والمرئية والمفضوحة، وكأن الكاميرا التي التقطت صورتها قد اخترقت جدار مكتبها قبل أن تخترق أعوانها منزل الكاتبة، أي أن العلاقة بين الرقيب والمراقب قد انقلبت دون مقدمات، وهذا ما يثير في النص فجوة دلالية لا يمكن ردّها إلى منطق السببية البسيط، فليس هناك تفسير واحد لكيفية وصول الأدلة إلى الصحيفة، لكن هذا الغموض لا يُضعف النص، بل يقوّيه تفكيكياً لأنه يُخرج القارئ من شرط التفسير الواقعي إلى شرط التفسير الرمزي، إذ تصبح الجريدة ليست مجرد ناقل للخبر، بل عيناً ثالثة تنظر إلى الطرفين معاً، وتجعل من “فرعون” ضحية رؤيته هو نفسه، فهو الذي أراد أن يكون العين الكليّة المطلّة على العالم، لكنه اكتشف أنه مجرد صورة بين صور أخرى في جريدة الصباح.
أما فضاء الأقصوصة فيلعب دوراً محورياً في هذه اللعبة التفكيكية، فثنائية الداخل والخارج التي تبدو واضحة في البداية، إذ أنّ منزل الكاتبة هو الداخل المقدس الذي تم اقتحامه، والشارع أو موقع المراقبة هو الخارج المعادي، سرعان ما تفقد حدودها حين تبدأ الرياح الخريفية القوية تعوي داخل الغرف المحترقة، وكأن الخارج الطبيعي قد اجتاح الداخل وأصبح جزءاً منه، وكأن الخرق هنا لم يقتصر على اقتحام الأعوان، بل تعداه إلى اجتياح كوني تجعله الريح عنصراً فاعلاً في تدمير ما تبقّى من أوراق وأدلة، لكن السخرية التفكيكية أن هذه الريح نفسها التي بدت معادية، وهي التي حملت ذرات الرماد لتتطاير في الفضاء، لتصبح في النهاية جزءاً من نشر الأدلة، فلم يكن هناك حقبة زمنية محددة للدمار، ولا مكاناً محدداً للخلاص، فالحقيقة في هذا النص لا تستقر في مركز ثابت، بل تتنقل بين منزل محترق، وصحيفة صباحية، ونظرات ذاهلة، ورماد متطاير، مما يجعل السؤال عن “أين الحقيقة؟” سؤالاً عبثياً، لأن الحقيقة هنا ليست شيئاً يُمسك به، بل عملية تفلت مستمرة.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في هذا النص هو مصير الكاتبة نفسها، فهي التي بدأت الفعل بمداد قلمها، والتي ارتعد قلبها بين الخوف والأمل، لكنها تختفي تماماً من المشهد بعد مشهد الاقتحام، ولا نسمع عنها مرة أخرى، وكأن النص يتخلص من صانعة الحقيقة الأصلية ليمنح الصحفي البارع دور البطولة في كشف الفضيحة، وهنا يطرح السؤال التفكيكي نفسه: هل كانت الكاتبة مجرد أداة عابرة لإنتاج الرماد، أم أن احتراق أوراقها هو الذي حرّر الحقيقة من قيد التوقيع الفردي؟ الواقع أن النص يفكّك بوعي فكرة “المؤلف” باعتباره مصدراً واحداً ونهائياً للمعنى، فالقلم الذي بدأ القصة لا ينهيها، والصورة الصحفية البارعة تنهي ما لم تستطع الكاتبة إنجازه، وكأن الحقيقة حين تتحرّر من الأوراق تصبح ملكاً للجميع، لكنها أيضاً تصبح عرضة لآلات جديدة، فالكاميرا هنا ليست أكثر براءة من القلم، فهي أيضاً أداة اختيار وتأطير وتوجيه، لكن النص يمرّرها كأداة خلاص دون أن يضعها موضع تساؤل، وهذه النقطة تحديداً تمنح النص قابلية خصبة للتفكيك، لأن القارئ يمكنه أن يتساءل: هل الجريدة التي نشرت الأدلة هي نفسها التي كانت ستطوي الخبر لو كان الضحية شخصاً آخر؟ وهل العدالة التي تحققت هي عدالة الحقيقة أم عدالة الفضائح والإثارة؟ النص لا يجيب، وصمته ليس عيباً بل فضيلة، لأنه يبقي المعنى معلقاً بين تأويلين متناقضين، فلا يمكن الجزم بأن فرعون قد سقط لأن الحقيقة انتصرت، بل ربما سقط لأن سلطة الإعلام كانت أقوى من سلطته في تلك اللحظة، والأدهى أن الإعلام نفسه قد يكون فرعوناً جديداً بوجه آخر، وهكذا تدور الشخصيات وتتغير الأقنعة بينما يبقى الصراع على الرؤية دائماً.
وفي خاتمة المطاف، يمكن القول إن هذه الأقصوصة ليست مجرد حكاية عن انتصار المظلوم على الظالم، بل هي متاهة سردية تكشف عن هشاشة كل الثنائيات التي نبني عليها وعينا الأخلاقي، فالخير ليس خيراً مطلقاً إذا كان يحتاج إلى كاميرا فضائحية ليثبت نفسه، والشر ليس شراً مطلقاً إذا كان يمكن أن ينهار بمجرد ورقة صباحية، والرماد ليس نهاية لأن الريح تحمله، والحقيقة ليست بداية لأن الاحتراق يسبقها، وهذا التماهي بين الأضداد هو جوهر القراءة التفكيكية التي لا تسعى إلى إصدار حكم أخلاقي أو تاريخي، بل إلى تعليق المعنى في فضاء التأويل المفتوح، إذ كل قراءة تولد قراءة أخرى، وإذ يظل النص نصاً ليس لأنه يقول شيئاً واحداً، بل لأنه يقول أشياء متعددة ومتناقضة في آن، مما يجعله قابلاً لأن يُقرأ اليوم كقصة سياسية، وغداً كأسطورة فلسفية، وبعد غد كشهادة على عجز اللغة عن احتواء الحقيقة إلا عبر حرقها وإعادة تشكيلها من جديد، وهذا بالضبط ما يجعل الأقصوصة، رغم قصرها، مادة غنية بالتوترات والدلالات التي تنتظر من يكشف عنها، ليس لكي ينهيها، بل لكي يبدأ منها محاولة جديدة للفهم.
عمار بلخضرة / آب 2026